أوراق رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون للكاتبة ماجدة غرابو [الخيانة الأولى بمدريد]
ماجدة غرابو
25 يوليو، 2025
كتب _ ماجدة غرابو
ركبت الحافلة في مدريد من أمام مطار(باخاراس)، بعد أن أرسلوا لي ـ من كان الأجدر بهم استقبالي ـ عبر الواتساب، رقم الحافلة والمكان الذي سأنزل فيه، فنطقت للسائق بما قيل لي، ليشير لي بالصعود وأن أدفع ثمن التذكرة الأورو ونصفه. وقفت بالحافلة لأنني وجدت جميع الكراسي غير شاغرة، فالصعود للحافلة بمدريد جد يسير، ليس بها أي درج كما تعودت عليها في مدينتي الدار البيضاء، بل هي كما ركبتها في مكة المكرمة بمستوى الرصيف ومكيفة، وفي الأمام شاشة بها الكثير من الإعلانات المتكررة، وكذا أسماء المناطق التي نمر منها، كنت أفهم بعض الكلمات بالحروف اللاتينية، بدت لي أجناس مختلفة من سحنات وجوههم، وأحسست بنوع من القلق، فبمجرد خروجي من المطار، انقطعت عن كل أنواع التواصل الحياتي، رغم وجود الناس حولي، وكأنني حللت بجزيرة مهجورة؛ فلا أنترنيت.. ولا لغة تواصل.. ولا وطني ولا مغاربة معي..ولا أهلي.. ولا .. ولا..؛ لأقف بآخر محطة، بعد مرورنا بالعديد من المنحوتات وسط شوارع مدريد لنساء على عربات يمسكن بأسود وليس بجياد! أونافورات بها منحوتات أطفال عراة، وكأنها تنطق بحيوات مضت وتحكي عنها بإسهاب من شدة دقة نحتها وروعته.
وقفت وسط ساحة كبيرة، أحسست بالاغتراب في بلد أجدادي، رحلوا فرحلت معهم كل مظاهر الطمأنينة، أنتظر مغربي من بلادي؛ تصورت أن أجده في انتظاري قبل أن أصل، وأنا متعبة جدا من انعدام نومي الليلة السابقة، تخيلت أنني سأجدهم في استقبالي كما في الأوب لوطني، تخيلتهم كما نحن المغاربة في بلادي، استبعدت كونهم مسخوا باغترابهم في أوروبا. انتظرت.. وانتظرت..دمعت عيناي وأنا أنتظرهم، كالطفل الصغير وقد تاهت عنه أمه، استحضرت قيمتي عند أهلي في بلدي، تساءلت حينها ماذا أفعل هنا؟ ومن أنا هنا في هذه اللحظة؟
أحسست بجوع شديد، فالساعة قاربت الظهر وفي جوفي كأس قهوة سوداء بدون سكر، وحان وقت تناولي جرعة الدواء الثانية وموعد أكلي وبدأت أرجف، وأنا واقفة وسط الساحة الكبيرة، حولي أناس كثر لكني لوحدي، كتبت على هاتفي جملة وترجمتها للاسبانية: “أنني أريد التواصل مع أحدهم وأنني تائهة” بعد أن ظهر لي رجلان بزي حراس أمن، وبعد تطلعهما على الهاتف اعتذرا لي، وفهمت بأنه ليس لديهما رصيد، توسلت لهما باستعمال تطبيق الواتساب فقط الذي أعتبره مجانيا في بلادي، فاعتذرا لي وأشارا لي بالنزول عبر سلم متحرك لتحت الأرض، فهناك يتوفر صبيب الأنترنيت، نزلت مكرهة وما بيدي حيلة ولا انترنيت ولا أي شيء..، استحضرت من تضيع له كل أوراقه كما أصبحت لحظتها بلا هوية ولا وطن.
2025-07-25