المبادئ الأخلاقية للإقناع
محمد جناي
12 أبريل، 2023
كتب / ذ. محمد جناي*
يتعرض معظم الأفراد يوميا إلى ما يمكن تسميته بالعمليات الإقناعية ، فهم إما يمارسونها أو يتأثرون بها ، و ذلك كله من أجل إعادة تشكيل الأفكار والقناعات والآراء والمواقف، فنجد الآباء والأمهات يحاولون إقناع أبنائهم بتبني سلوك معين ، والإدارة تقوم بعملية إقناع العاملين بالإجراءات والقرارات والخطط والسياسات المتبعة ،و يسعى البائع إلى إقناع زبنائه ببضاعته، ونجد الإعلاميون يحاولون إقناع جمهورهم بخطهم التحريري ، والسياسيون يحاولون إقناع الكتلة الناخبة المفترضة ببرامجهم السياسية، والمحامون يثابرون من أجل إقناع هيأة القضاة بالقضايا التي يتوكلون للدفاع عنها ، والأمثلة كثيرة .
فتلعب العمليات الإقناعية في العصر الحالي ، دورا هاما وحيويا في حياة الأفراد ، خاصة في الدول التي تعيش ديموقراطية حقيقية ، حيث يتمتع مواطينها، بحرية واسعة في جميع المجالات، فالسياسات و الآراء والمنتجات لا تفرض عليهم بالقوة والديكتاتورية، بل لهم حق الاعتراض و المناقشة ، مه الحق في الحصول على المعلومات بالطرق القانونية ، حتى تتسنى لهم الاقتناع التام والتبني أو الرفض.
والإقناع يعرف بأنه علم وفن التأثير في الآخرين للاقتناع بالموضوعات المعروضة عليهم ، فهو كعلم يتطلب فهما عميقا لأسلوب تقييم الأفراد للمعلومات واتخاذهم للقرارات، لهذا أثبت علماء السلوك في بحوثهم أن الإقناع يعتمد أساليب تستهدف إشباع الحاجات الإنسانية المتأصلة، وبهذا فهو مهارة تؤطرها الأصول العلمية التي يمكن تعلمها وتطبيقها وإتقانها بالممارسة(د. غانم فنجان موسى ، د. فاطمة فالح احمد 2010 من كتاب استباق مقاومة الاقناع ص : 22 بتصرف يسير).
وتنقسم استجابتنا لرسائل الإقناع إلى قسمين : بعد تفكير ، و دون تفكير(هاري ميلز ،2001 ص: 24)
فالأول : عندما نكون مفكرين فإننا ننصت بكل عناية إلى ما يقوله المقنع ، ثم نقوم بقياس مميزات ومساوئ كل زعم وننتقد الرسالة المراد إيصالها لنا من حيث منطقيتها وتوافقها،وإذا لم يرقنا ما نسمع نطرح أسئلة ونطلب مزيدا من المعلومات ، وحينما نكون مفكرين يتحدد مدى إقناع الرسالة على وقائع الحالة.
والثاني : أي حينما نستجيب للرسائل دون وعي ، فإن عقولنا تكون مغلقة بصورة آلية ولا يكون لدينا الوقت والحافز والقدرة على الإنصات بحرص ، لذا فإننا بدلا من اعتمادنا على الحقائق والمنطق والدليل في اتخاذ الحكم نقوم باختصار ذهني ، ونعتمد على غرائزنا لتمنحنا مفتاح الإجابة.
والمعايير التي في إطارها تتم العملية الإقناعية وكما قدمها المؤلفان غانم موسى و فاطمة احمد في كتابهم القيم : استباق مقاومة الإقناع ، أنها أي المعايير يستهدي ويسترشد بها أطراف تلك العملية (القائم بالإقناع أو المستهدف به ) ، في جميع مراحلها بهدف الارتقاء بكفاءتها إلى المستوى الذي تتحقق عنده الأهداف المطلوبة منها ، وفيما يأتي أهم المعايير الأخلاقية للإقناع:
1 – لا إكراه في الإقناع : يعد هذا المبدأ من أهم المبادئ الأخلاقية في الإقناع وفي غيابه يصبح تطبيق المبادئ الأخلاقية الأخرى لا أهمية له ، وتنتفي صفة الإقناع عن كل عملية تستهدف حفز الآخرين للاقتناع بتغيير أفكارهم أو مواقفهم ، وسلوكهم وأهدافهم ، وحاجاتهم، بمجرد إحساسهم بأنهم مكرهون، أو أن هناك ضغوطا عليهم عليهم من قريب أو بعيد سواء كانت بالتلويح أو بالتلميح، ويتطلب تطبيق مبدأ لا إكراه في الإقناع منح الأفراد حرية التعرض الاختياري في عملية الإقناع بعيدا عن الإرهاب والإكراه والقسر ولا تصادر حريتهم في اكتساب المعلومات والتفاعل معها والاقتناع بها أو رفضها، وينبغي أن تحمل الرسالة الاقناعية الموجهة إليهم معلومات يهتمون بها ، وتسهم في تحقيق أهدافهم،وتنسجم مع أفكارهم ومعتقداتهم وسلوكهم وتؤيدها وتدعمها، بهدف حفزهم للاقتناع بها.
2 – الصدقية: يوجب اعتماد الصدقية في الإقناع على جميع الأطراف المشاركة في العملية الاقناعية في تبادل المعلومات والبيانات بصورة دقيقة ، والإخبار عن الشيء بما هو عليه ، وإظهاره على حقيقته، والتزام الحقيقة قولا وعملا.
وتتطلب الصدقية في عمليات الإقناع من القائمين بها إخبار المستهدفين بالإقناع بجميع الحقائق التي لها علاقة بالموضوع المطلوب إقناعهم به، يقول جيري سبينس أحد القضاة الأمريكيين الذي اتسم ببراعته الفائقة ، فهو لم يخسر قضية واحدة أمام هيئة المحلفين طوال أربعين عاما هي مدة عمله في المحاماة:” يمكن أن تكون من أبرع الخطباء الذين عرفهم العالم ، وتمتلك قدرات عقلية فائقة ، وبراعة ذهنية عالية ، وأن تكون ضليعا في كافة صور المناقشة والجدال ولكن ما لم تكن صادقا في قولك ، فلا يمكن أن يصدقك الآخرون “.
وصدقية الفرد تعتمد على عنصرين أساسيين هما ثقة الآخرين به ، ومقدار معلوماته وخبرته بالموضوع الذي يعرضه عليهم ، وإن أي نقص فيهما يؤثر سلبيا على صدقيته أمام الآخرين،ولذلك لا بد أن تحرص أطراف القضية الإقناعية على تنمية هذين العنصرين .
3 – تبادل الثقة : وتشير إلى إمكانية تصديق أقواله وأفعاله، ويعبر هذا الإيمان عن الاعتقاد بنزاهته وصحة مبادئه وخبرته.ويشكل بناء الثقة المتبادلة بين أطراف العملية الإقناعية الحجر الأساس لنجاح عملية الإقناع ، فهي تلعب دورا مهما في إزالة أجواء الشك والريبة بينهم.
ويتعين على القائم بالإقناع كسب ثقة المستهدف بالإقناع بكل الأساليب الممكنة ليتمكن من التأثير فيه ، واستمالته إلى الموضوع الذي يطرحه عليه وصولا إلى إقناعه به، وتسهم ثقة المستهدف بالإقناع بالمقنع في تسهيل عملية الإقناع وتسريعها.
4 – المرونة: وهي السلاسة والليونة والقدرة على التنقل من موضوع ومعنى وفكرة إلى موضوع ومعنى وفكرة أخرى بلا تعقيد أو جمود فكري ، وهي تمكن من يعتمدها من التأقلم مع كافة الأجواء والمعطيات والاستفادة من كل الظروف من خلال تحوير طرق تعاطيه مع المواقف بحسب طبيعتها، وإيجاد حلول جديدة لها .
ويتطلب نجاح عمليات الإقناع توفر المرونة في طرفي تلك العمليات بنفس الدرجة مع مراعاة الفروق الشخصية المتعلقة بكل منهما، وإمكاناته،والظروف المحيطة به ، وينبغي أن لا ينظر إلى المرونة على أنها ضعف ومسايرة الآخر في جميع الأحوال ، إنما تؤكد القدرة على مواجهة التحديات بطريقة إيجابية دون التنازل عن المبادئ ، وطرح بدائل جديدة تساعد على تحقيق الأهداف المطلوبة من عملية الإقناع.
5 – الهدفية: وهي النهايات المطلوب الوصول إليها من عمليات الإقناع ، وهي التي تحفز القائم بالإقناع لإقناع المستهدف،وتحفز المستهدف بالإقناع للاقتناع بالموضوعات المعروضة عليه، ولذلك فإن غيابها يعني أن تلك العمليات عبث لا فائدة منه ، وتبديد للأموال والجهود والوقت.
6 – الانطلاق من المشتركات: ويسهم انطلاق العملية الإقناعية من المشتركات بين أطرافها في تسهيلها، ويساعد على إيجاد شعور متبادل بأن الجميع لديهم الرغبة في تجاوز الخلافات، وتوسيع تلك المشتركات ، وتغليبها على الموضوعات المتقاطعة المسببة لمقاومة الإقناع ، ويجسر الفجوات النفسية بين تلك الأطراف، ويوطد العلاقات بينها، ويؤسس أجواء يسودها احترام الاختلاف والتعددية.
7 – التروي في القرارات: يتعين على جميع أطراف العملية الإقناعية التروي عند اتخاذ القرارات ، والابتعاد عن كل ما يكون سببا في اتخاذ قرارات لا تتوفر فيها المواصفات المطلوبة لتحقيق أهداف العملية الإقناعية بكفاءة عالية.
8 – الإقرار بالأخطاء : وتتطلب عملية الإقناع اعتراف أطرافها بالأخطاء التي يرتكبونها بحق بعضهم البعض، وتوفير الظروف التي تمكنهم من خفض نسبة الأخطاء ، والكف عن تصيد أخطاء الآخرين.
9 – الشجاعة:وهي القوة النفسية المنضبطة في مواجهة المشكلات والأخطاء بروية وتدبر دون تردد، وهي خلق وفضيلة وإقدام وصبر على المكاره، والقدرة على انتزاع الفوز عند مواجهة أعتى الأخطار،وقهر الخوف.
وينبغي أن يمتلك القائمون بالإقناع الشجاعة ليقنعوا الناس بأفكارهم التي يعتقدون أنها تسهم في تحقيق أهداف إنسانية نبيلة .
* إطار إداري بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ( متصرف تربوي )
هوامش:
(1) : استباق مقاومة الإقناع ، تأليف غانم فنجان موسى ، فاطمة فالح احمد ، دار النشر : فيشون ميديا – فيكشو – السويد 2010 ، وبدعم من وزارة الثقافة السويدية.
(2) : فن الإقناع – كيف تسترعي انتباه الآخرين وتغير آرائهم وتؤثر عليهم – تأليف هاري ميلر HARRY MILLS ، مكتبة جرير ، الطبعة الأولى 2001.
2023-04-12