دواعي ومبررات التخطيط التربوي
محمد جناي
21 فبراير، 2023
كتب / ذ. محمد جناي*
تكشف أدبيات الجذور الاقتصادية عن أن استعمال مصطلح التخطيط يرجع لعام 1910 ، حيث استخدمه الاقتصادي النمساوي ” كريستيان شويندر ” في مقال عن النشاط الاقتصادي، إلا أن اللفظ لم يكتسب شهرته الواسعة إلا بعد أن أخذ الاتحاد السوفيتي بمنهج التخطيط الشامل عام 1928، وعلى الرغم من أن فكرة التخطيط قديمة قدم الحضارة البشرية نفسها، فإن مفهوم التخطيط بالمعنى العلمي حديث النشأة إذ يرجع إلى أوائل الربع الثاني من القرن العشرين، وأن مصدر أدوات التخطيط المستخدمة اليوم تكمن في مصدرين حددهما ” جان تنبرجن ” في التخطيط الاشتراكي في روسيا، والتخطيط القومي في الغرب.
هكذا أصبح استخدام أسلوب التخطيط الاقتصادي شرطا أساسيا لتحقيق معدلات سريعة ومنتظمة للنمو الاقتصادي ، مهما كان نوع النظام الاقتصادي السائد ( رأسمالي أو اشتراكي )، ومهما كانت درجة النمو الاقتصادي سواء في ( دول متقدمة أو دول نامية)، وأما عن استخدامات التخطيط في الحقل التربوي،وعلى الرغم من حداثته، فإن هناك جذورا تاريخية ظهرت في أدبيات فلسفة وتاريخ الفكر التربوي القديمة، تؤكد لنا عن استخدم أسلوب التخطيط – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في التربية لإرساء قواعد ونظم جديدة للتعلم وفقا للفلسفات المتعددة التي ظهرت في عصورهم، و التي كان لها الفضل في بناء مايعرف بتاريخ التربية وتاريخ التعليم والمسؤول عن نوعية البناء الحضاري والبشري لتلك الأمم.
لذا فالتخطيط التربوي نشأ كضرورة عملية لتحقيق تنمية الموارد البشرية ، خاصة إذا ما علمنا أن الموارد البشرية في أي دولة تمثل عنصرا أساسيا وهاما من عناصر الإنتاج والقوة الدافعة للتنمية، والجدير بالذكر هنا أن عمليتي تعليم البشر والتخطيط له عمليتان مختلفتان تمام الاختلاف، ولا غنى عن كليهما عند التفكير في البناء البشري الذي هو جوهر التنمية الشاملة ، مما دعى قيادات العالم والمسؤولين عن التربية بوضع التخطيط الأمثل من أجل تحقيق أكبر استثمار ممكن لرأس المال البشري.
فالتخطيط التربوي اليوم يحتل مكانة كبيرة في مختلف دول العالم وأصبح مبنيا على أسس علمية ومنهجية واضحة جعلته اختصاصا قائما بذاته، ولا يمكن بحال من الأحوال الاستغناء عنه في تحقيق التنمية والزيادة في الرقي التي تنشدها مختلف المجتمعات سواء منها المتقدمة أو النامية، و أيضا في دوره الكبير في تحديد مكانة النظام التربوي في الإستراتيجية التنموية الشاملة.
و التخطيط يعرف في مفهومه العام والشامل بأنه :”عملية منتظمة تتضمن اتخاذ مجموعة من الإجراءات والقرارات، للوصول إلى أهداف محددة، على مراحل معينة ، خلال فترة أو فترات زمنية مقدرة ، مستخدمة الموارد المادية والبشرية والمعنوية المتاحة حاليا ومستقبلا أحسن استخدام “.
وأما التخطيط التربوي باعتباره من أهم مجالات التخطيط التي يتوقف عليها تحقيق التنمية المنشودة والتطوير المنتظر ، وذلك لارتباطه المباشر بالإنسان صانع التنمية والمستهدف من كل عمليات التخطيط، فيعرفه عبد الله عبد الدائم بأنه :” رسم للسياسة التعليمية في كامل صورتها رسما ينبغي أن يستند إلى إحاطة شاملة أيضا بأوضاع البلدان السكانية وأوضاع الطاقة العاملة والأوضاع الاقتصادية والتربوية و الاجتماعية “، كما جاء تعريفه عند محمد سيف الدين فهمي بأنه :” العملية المتصلة المنتظمة التي تتضمن أساليب البحث الاجتماعي ومبادئ وطرق التربية وعلوم الإدارة والاقتصاد والمالية ، وغايتها أن يحصل التلاميذ على تعليم كاف ذي أهداف واضحة”(1).
و ومن ثم فالتخطيط التربوي يشكل نظرة مستقبلية للنظام التربوي مبنية على معطيات وبيانات علمية مستوحاة من الواقع ، ومن هنا فإنه يعتبر بالضرورة عملية هادفة ، ومن أهم الأهداف التي يسعى التخطيط التربوي لتحقيقها نذكر مايلي:
أولا : الربط بين التربية والتنمية الاجتماعية الاقتصادية
لقد أصبحت التربية استثمارا حقيقيا، لأنها أداة تكوين الإنسان صانع التنمية بكل مجالاتها ، وهكذا أصبح في حكم المسلمات أنه لا مجال للتنمية بدون تربية ، وهكذا أصبح النظام التربوي يبني تصوراته وخططه المستقبلية بناء على الحاجات الاجتماعية والاقتصادية، فإذا كانت المعطيات الاجتماعية والاقتصادية منطلقا لبناء الخطة التربوية ، فإن هذه الأخيرة تعتبر شرطا رئيسيا لتحقيق التنمية بمفهومها الشامل.
ثانيا : الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية
وهو هدف جوهري للتخطيط التربوي، وذلك نظرا لما ينبغي أن تتضمنه الخطة التربوية من توزيع أمثل للموارد البشرية حسب حاجات كل قطاع ، وهذا انطلاقا من الخلل الملاحظ في الواقع والتوقعات المستقبلية للموارد الجديدة ، كما تحدد الخطة التربوية الموارد المادية المخصصة لتنفيذها، وهي تسعى إلى توزيع هذه الموارد بشكل يمكن من تنفيذ الخطة دون أية معوقات مادية ، وهي في نفس الوقت تتجنب الخلل بالإفراط أو التفريط في توظيف هذه الموارد.
ثالثا: تحقيق الاستيعاب الكامل لمن هم في سن التعليم الإلزامي
إن تحديد مدة التعليم الإلزامي هو قرار تتخذه السلطات السياسية في البلد ، وتبعا لهذا القرار السياسي فإن المخططين التربويين ملزمون بتحديد الإجراءات والتدابير العملية لكيفية تحقيقه، لذلك ينطلق المخططون التربويون من المعطيات السكانية لمعرفة عدد المعنيين بالتعليم الإلزامي على مدى زمني محدد ، ليحددوا بعد ذلك الاحتياجات المادية والبشرية والهياكل التعليمية الكفيلة باستقبال جميع من هم في سن التعليم الإلزامي، وبهذا تكون عملية استيعاب هذا الكم الهائل من المتعلمين هدفا رئيسيا يسعى لتحقيقه التخطيط التربوي، ولا بد أن تتضمن الخطة التربوية كل الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.
رابعا : تحقيق التوسع المطلوب في التعليم الثانوي والجامعي
إذا كان الاهتمام بالتعليم الإلزامي يفرضه واجب توفير مقعد دراسي لكل من هو في سن التمدرس ، فإن الاهتمام بالتعليم الثانوي والجامعي تفرضه حاجة المجتمع إلى متعلمين من مستوى عال ، كفيل بتحقيق مستوى تعليمي مرتفع وتخريج كفاءات علمية من شأنها المساهمة الفعالة والحاسمة في تحقيق التنمية المنشودة، وباعتبار الطلب الاجتماعي المتزايد على هذين المستويين من التعليم، فإن التخطيط التربوي يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للمقاعد المتوفرة ، بناء على القدرات وحاجات المجتمع، فينبغي حينئذ أن تكون الخطة التربوية متضمنة للتوقعات التي سيكون عليها التعليم في هذين المستويين، ومحددة للموارد المادية والبشرية الكفيلة بتوفير الظروف الممكنة للتوسع النوعي والكمي في هذين المستويين.
خامسا : الرفع من المستوى التعليمي
إن مؤشر تقدم المجتمعات لا يعرف بالاستهلاك أو اقتناء الإبداعات التكنولوجية المختلفة ، وإنما بالمستوى التعليمي للأفراد ، إذ أن توفر التكنولوجيا لا يعني شيئا إذا كان الإنسان غير مؤهل تعليميا لتوظيفها على الوجه المطلوب، إن مواكبة التطورات الحاصلة على المستوى العالمي تتطلب إعطاء أهمية أكبر للتعليم كما ونوعا، وينبغي أن تتضمن الخطة التربوية نوعين من رفع المستوى التعليمي ، أحدهما أفقي وهو يعني رفع المستوى التعليمي العام متدرجا من محو الأمية إذا كانت منتشرة بشكل كبير إلى المستوى الابتدائي فالإعدادي وهكذا … أما الآخر فيعتبر عموديا وهو يمس نوعية التعليم من خلال تطوير المناهج واستخدام الوسائل التعليمية الحديثة ورفع مستوى المدرسين والمؤطرين…
سادسا : زيادة إنتاجية التعليم
ترتبط زيادة إنتاجية التعليم بعدد المتخرجين منه وكفاءاتهم، فالتعليم باعتباره قطاع إنتاج إستراتيجي يرتبط بالإنسان فهو محرك دواليب التنمية والتسرب المدرسيين ذلك لأن كل تلميذ راسب هو عبء إضافي على النظام التعليمي، كما أن كل متسرب يعتبر عبئا على المجتمع يتطلب رعاية خاصة حتى لا يكون عرضة للانحراف،وفي التقليل من الرسوب والتسرب فائدة كبيرة للمجتمع من الناحية الاقتصادية بما يمثله من اقتصاد في النفقات ومن الناحية الاجتماعية بما يحققه من تنمية ومرحلة متقدمة في مواجهة الآفات والانحرافات بمختلف أشكالها.
سابعا: زيادة الوعي التخطيطي لدى المسؤولين عن التعليم
إن هذا الهدف يستمد أهميته من أهمية التخطيط التربوي في حد ذاته ، ذلك لأن المجتمع الذي لا يهتم بالتخطيط مجتمع يكاد لا يعنيه مستقبله، وعلى رأس فئات المجتمع يأتي المسؤولون بمختلف مستواياتهم، وخاصة المسؤولين على قطاع التربية والتعليم ، فعملية الإصلاح التربوي والتخطيط للمستقبل ينبغي أن تكون بعيدة كل البعد عن الارتجالية والقرارات الظرفية المزاجية، بل ينبغي أن تكون قائمة على أسس علمية متينة وعلى بعد نظر يمكنها من اجتناب الإخفاقات التي تشكل خطرا على تنمية المجتمع في كل المجالات ، فعلى قدر ما يكون المسؤول واعيا بأهمية التخطيط على قدر ما تمنح لهذا الأخير المكانة اللائقة به ، فيسند تبعا لذلك لأقدر الكفاءات وترصد له كل الوسائل والشروط الضرورية للقيام به على أحسن وجه.
ثامنا : تحقيق الأهداف السياسية
إن السياسة التعليمية الرسمية في كل مجتمع تكون بالضرورة من السياسة العامة للدولة ، ويأتي التخطيط في هذا المجال كعنصر رابط بين السياسة العامة والسياسة التعليمية، فيتضمن كل ما يمس دور النظام التربوي في تحقيق الأهداف المسطرة من طرف الدولة، ومن أهم الأهداف السياسية التي تتضمنها الخطة التربوية تتمثل في المحافظة على الكيان السياسي والاجتماعي للدولة ؛ تنمية الروح الوطنية بين أفراد المجتمع؛ تطوير المجتمع بما يحقق التوافق بين الفرد والمجتمع؛تحقيق تكافؤ الفرص لجميع أفراد المجتمع؛ تحقيق التفتح على الآخر في ظل المحافظة الصارمة على الشخصية الوطنية(2).
لذا فالهدف الأساس من التخطيط التربوي هو ” الإنسان المعاصر” ، فإذا كان هذا الأخير – انطلاقا من نظرية رأس المال البشري – هو رأس مال هذا المجتمع ، ولما كانت التربية صانعة هذا الإنسان ، فهذا يحتم علينا بذل أقصى جهد لفهمها في إطارها الشامل ، من أجل التخطيط لها وتوظيفها واستثمارها استثمارا أمثل ، وهذا يجعلنا دائما أبدا ننظر إلى عمليات البحث العلمي في مجال نظم وأساليب تجديد التعليم وتطويره، ورفع كفاياته أمر دائم في غاية الأهمية ، لا من حيث الحفاظ على مستوى ونوعية التعليم فحسب ، وإنما من أجل منابع التخلف والقضاء عليه، على الرغم من أننا نعلم أن الخطط الإصلاحية التي تبنى وتقدم نجدها أيضا مشحونة بالسياسات المحيرة، والاعتبارات الاقتصادية العالمية ، ناهيك عن التحديات الداخلية التي عبرت عنها تقارير التنمية البشرية بالأمم المتحدة، لدى فعلى مسؤولي التخطيط التربوي ضرورة فهم وهضم ومعرفة كيفية تطبيق الجديد في نظرية التخطيط التربوي.
* ذ. محمد جناي ، إطار إداري – متصرف تربوي – بالمديرية الإقليمية بالقنيطرة
هوامش
(1): التخطيط التربوي ، تأليف الدكتور محمد متولي غنيمة،دار المسيرة للنشر والتوزيع -عمان- ، الطبعة الأولى : 2005
(2): أساسيات التخطيط التربوي – النظرية والتطبيقية- ، إعداد هيئة التأطير بالمعهد الوطني لتكوين مستخدمي التربية وتحسين مستواهم ، الدكتور لخضر لكحل والأستاذ كمال فرحاوي ، السنة 2009.
2023-02-21