عوامل النجاح والفشل في العلاقات الزوجية المعاصرة
مولاي علي الخميري
19 سبتمبر، 2022
كتب : مولاي علي الخميري
وقف علي صاحبي بلا موعد وهو يرتجف ارتجافا أخرجه عن طوره الآدمي ، فرفعت إليه رأسي ، ووجدتُه في حالة لم أعهدها فيه من قبل حتى ظننتُ أنه قد فقد عقله ، أو أصابه خَلَل ما في نفسه أو في جسده…..
نظرت إليه وطلبت منه الجلوس والهدوء ، وبعدما أخذ قسطا من الراحة ، استرجع معها شيئا من توازنه بادرني بالحديث ، مُقدِّما لي اعتذارَه على الإزعاج ، ثم قال : إنني تشاجرت مع زوجتي ، وانبرت لي وكأنها نِدٌّ مقابل ، وخصم مُعانِد ، بل وعدو جَشُور ، يحاول أن يقضي على خصمه بكل السبل والوسائل……
لم أُبْدِ إزعاجا مما سمعتُ بل ضحكتُ ، وعلا وجهيَ ارتياحٌ لَمَّا عرفتُ سبب الارتجاف والارتعاش الذي أصاب صاحبي ، ثم ضحكت ضحكة أخرى أطول ، اشمَأَّزَ منها ، وقال : لقد جئتك على حالتي ، وفرغت أمامك مشكلتي ، وظننت أنني سأجد فيك النصير والمُعِين……..
فقاطعته وأعدت تقهقهي بصوت مرتفع أكثر ، وطلبت منه مزيدا من الهدوء والإنصات : يا صاحبي إن ما وقع لك يعيشه كل المتزوجين في زمننا ، هو من البسيط الذي يجري في بيوتنا كل يوم ، وعِلَّتُه هم نحن ، وسببه أننا لم نُقِم العلاقة الزوجية المعاصرة على أسس تناسبها جِدَّةً وتطورا .
اعلم يا صاحبي أن الذكر والأنثى عندما يقرران الزواج يقع كل واحد منهما تحت ما يسمى عند علماء النفس بعقدة أوديب ولكن بنكهة مغربية أو شرقية خالصة .
الذكر حين يفكر في الزواج ، يتخذ من أبيه نموذجا ، ويتمثل دوره من ناحية القيادة ، ويرى في وظيفة أمه كل أنواع الانقياد والطاعة ، والمرأة كذلك ، وهي تتقاسم مع الذكر في عنصر الأب ، لأنها تريد زوجا يشبه أباها فيما تشتهيه فيه ، ولكن ترفض دور أمها المتدني في نظرها ، فتبادر للدلالة على ذلك بكل وسائل المُعَانَدة والخِصام ، لِتُعلِم زوجها أنها لا تشبه امها ولا أمه في الطاعة والانقياد ، فهي كائن جديد ، مختلف عن الصورة النمطية التي كانت تروج في المجتمع المغربي ، وما لم يفهم الرجل المعاصر هذا المعطى فسيبقى في صراع دائم ومُحتَدِم ، وما لم يتدارك الأمر بوعي يتلاءم مع المعطيات المعيشة فإن زواجه سيصبح – لا قدر الله – في خبر كان .
هناك معضلة أخرى لدى الرجل خاصة ، فقدرته على التعقل ، وإعمال المنطق في أمور الحياة بصفة عامة ، قد تفوق ما لدى المرأة ، والطامة الكبرى أنه يريد أن يطبق قواعد المنحى المذكور وبأسلوب فج على علاقته الزوجية ، وطبعا سيصطدم لا محالة .
العلم أثبت أن عقل الرجل عبارة عن أشكال مستقلة ومتناثرة ، تشبه هيئة الصناديق في الصورة والتباعد ، أما عقل المرأة فعبارة عن شبكة متداخلة الخيوط والدوائر ، ولهذا ينفر الرجل من الحديث عن المواضيع إذا كانت كثيرة ومختلفة ، ويرغب في الميل إلى المتجانس والمتداخل منها ، والمرأة على عكس ذلك تماما ، تحب كثرة المواضيع ، وتجد راحتها الكلامية كلما كانت مديدة ومتنوعة ، فالتنقل من هذا الجانب إلى ذاك لا يشكل لها عبئا ، ولا قلقا ، ولا إنهاكا ، ربما تجد في الأمر لذة ومتعة ، تمكنها من اكتشاف وتجريب مزاياها الخَلْقِية ، وتصريفها بما يتلاءم مع طبيعتها الأنثوية ، ويفصح عن مكنوناتها وقدراتها العَمَلِية .
الرجل بعقله ومنطقه ينبغي أن يسمح بما قد يتراءى له أنه هفوات ، أو أخطاء تقع أمام عينيه ، فلا يبادر إلى الرفض والاحتجاج ، لأن ذلك السوء في نظره هو نتيجة حتمية لكيفية تفكير المرأة ، ويجب عليه أن يقيس ما يعتبره نقصا وخللا في نظره على ما يشاهده في قواعد الحياة ، فلا يمكن أن تقع كل الأشياء موافقة لقوانين عقله ، وصرامة منطقه .
إن العلاقة الزوجية هي الحلو والمر ، والإيجاب والسلب ، والعسر واليسر على الطرفين ، وهذا نوع من الاكتشاف والامتحان ، فلا ينبغي لك يا صاحبي أن تنزعج من أول وهلة ، وأن تتأثر إلى هذا المستوى ، وعندما ستعود إلى بيتك ستجد الأمور قد رجعت إلى طبيعتها ، وما أصابك من هيجان إذا لم تعالجه بالفهم والعلم والصبر فسيقودك إلى حتفك ، ولن تُبَاليَ الحياة كلها بزًمْجَرَتِك المَهِيبة التي حَلَّت بك .
هنا نظرت إلى صديقي فوجدته قد أصابه شيء من الفهم ، وقِسط ملاحظ من القَبُول ، ودَنَت منه الحكمة التي أزالها عنه غضبه ، وزاره نسيم واسع من الهدوء ، قررت معها أن أرجع معه إلى ما اطلعت عليه من أحداث التاريخ ، وأذكره ببعض الأمثلة المشابهة لحاله ، ولربما تجاوزته بكثير .
قلت له يحكي العالم المغربي ابن عجيبة رحمه الله في فهرسته أن امرأته كانت تؤذيه كثيرا ، بأنواع من الإذاية لا يمكن لرجل عادي أن يجهر بها ، فما بالك بمثله وهو العالم الكبير حين يستغيث مما يعاني منه مع امرأته ، ومع ذلك تجده صابرا ومحتسبا ، فَطِنا لقواعد الحياة ، مُمعِنا النظر في وضعه حتى حوله بعد تفكير مُضْنٍ ، وتصور سلس إلى اكتشاف ، مكنه من استقاء معاني جديدة للعيش والزواج ، يشاركه فيها جمع غفير من الأشخاص الذين يلتقون مع ابن عجيبة وغيره في عنصر الإذاية .
من الحلول الجديدة التي خطها بعض العلماء ، وتعايشوا بواسطتها مع نماذج القساوة التي تبدو من المرأة أسوق لك ما يلي :
1 – يحسبون أن ما يعيشونه مع زوجاتهم هو عقاب لهم على ما فعلوه من ذنوب في حياتهم .
2 – يدخلون ذلك في باب الابتلاء، فما عليهم إلا أن يصبروا ويكابدوا ، ويبتعدوا عن التفكير السيء والفراق نتيجة الإذاية التي يتعرضون لها ، فمن شأن صمودهم أن يجنب الآخرين شر هذه المرأة إذا ما وقع الانفصام ، واستطاعت أن تتزوج مرة أخرى ، فيصيبه ما أصابك ، فإذا استطعت أن تجنب شخصا آخر إذايتك فافعل ، لأن ذلك من مفاهيم الإيمان ، وصوره .
سَرَدَ أحد العلماء ممن ابتلي في زوجته أنه دعاها إلى مجلسه العلمي الذي يعقده ، ويحضره كم عريض من الناس لترى قيمتَه بين الجمهور من الطلاب وغيرهم…..فلما حضرت ، ورأت بأم عينيها تلك الجماهير الكثيرة وهي صامتة صمت أهل القبور لما يقوله زوجها ، ويتحدث عنه من مواضيع العلم المختلفة….. قالت له حين طلب رأيَهَا ، وكان يظن أنها ستنصفه : ما رأيت أحمق منك ، جميع الناس صامتون ، وأنت وحدك الذي تتكلم…..ما أشد غباءَك ، وما أقصر عقلَك ، وأطولَ لِسانَك…..
ورأيت بالمعاينة والمباشرة ما وقع لأحد الأصدقاء من الشعراء في حفل تكريمه من طرف أصدقائه ومحبيه ، فقد قصده الجميع في نهاية الحفل ، يلقون عليه السلام ، ويصافحونه ويهنئونه ، وكان من بين الحضور زوجته التي غاظها المشهد ، وخاطبت زوجها قائلة : كأنك أصبحتَ وليا من أولياء الله ، الكل يقصدك ، ويتمسح بيدك التي تشع منها البركات والخيرات .
هنا ضحك صاحبي ، وأحس بانشراح داخلي كبير ، تخلص بواسطته من كل تلك الكوابس النفسية التي لازمته من قبل ، مما جعلني أندفع بالكلام أمامه بصورة أخرى ، مغايرة ، متحدثا عن المستقبل والأجيال الجديدة التي ستأتي من بعدنا .
قلت له : إن تلك الأجيال ستكون ناجحة في زواجها أكثر منا ، وأن القواعد التي تَحكُمُ العلاقة الزوجية في جيلنا ستختفي شيئا فشيئا بسبب تقارب معايير التربية بين المرأة والرجل ، وبسبب نوع المعارف التي يتلقونها ويشاهدونها في العلاقات المعاصرة ، فذلك التقارب والتشابه في الفهم والإدراك سيؤثر ، وسيساهم في الجمع ، ولن تعود هناك صورة نمطية للأب أو للأم مطلوبة لإعادة تدويرها ، وبث الحياة فيها مرة أخرى كما يفعل جيلنا ، ولن يكون للجنس عندهم ذلك الحضور المتوتر السائد عند المتقدمين ، فقد ارتوا منه بما يكفي وهم عُزَّاب ، وعليه وانطلاقا من كل هذه العوامل المتغيرة ، بالإضافة إلى غياب النموذج ، وضعفه ، أو اختفائه نهائيا…..كل ذلك سيقوي أواصر العيش المشترك على أسس تبتغي الهدوء والنجاح ، ويجب أن نأخذ في الحسبان تلك الضغوط المستحدثة التي تقع على كاهل الأجيال الجديدة ، وهي كثيرة وشديدة ومتنوعة مقارنة بما حصل مع الأجيال السالفة ، فتلك ستولد لديهم إحساسا ورغبة في الميل إلى الهدوء والتجانس بنسبة عالية جدا ، فوعيهم المتزايد بنوع مطلوب من الحياة يفتقدونه ، يجعلهم يؤمنون بضرورة الملاقاة بين الرجل والمرأة على أسس الاحترام والتكامل والاعتبار المستفاد من وظيفة كل عنصر منهما اتجاه الآخر ، فلن يكمتل مفهوم الحياة إلا بتقاربهما وانصهارهما في علاقة زوجية منصفة في كل شيء ، مما سيجعل مثلَ ما وقَعْتَ فيه من شنآن يا صديقي يختفي رويدا رويدا .
وكما وقف علي صديقي في البداية مرتجفا ومفاجئا نهض واستودعني وهو مُدبِر بشعور مخالف ، سيقوده إلى ضرورة إعادة النظر في علاقته بزوجته على مقاييس تراعي ما ذكر من خصوصيات وقواعد ، وعسى أن يكون لَبِقا أكثر ، ويحصل التواصل والإنصات من الطرف الآخر ، لتكتمل الحلقة التي نريدها تامة ومؤسسة على قواعد الفهم الصحيح ، والإدراك الصائب ، والرغبة في المعاشرة بالمعروف ، والإصرار على التحدي والنجاح .
2022-09-19