خواطر من أنا والحياة للكاتبة والأديبة المصرية سناء شمس الدين [تَبًّا لمشاعر اللحظة]
د. سناء شمس الدين
ساعتين مضت
كتب/ الاستاذة سناء شمس الدين
تَبًّا لمشاعرِ اللحظة التي سلبت منّا بصيرتَنا، وانتزعت حقيقتَنا من أعماقنا؛ فما هي إلا ومضةٌ عابرة، لا عمرَ لها، ولا استقرارَ، ولا أمان. ومع ذلك، ويا للمفارقة، استطاعت أن تستوطن القلب، فتزهر فيه كربيعٍ أخضر، وتتفتح أزهارها، وينتشر شذاها في الوجدان، حتى نظنّها باقيةً إلى الأبد.
ثم يمضي الزمن، ويأتي خريفُ الحقيقة؛ فتتساقط أوراقُ الحب، وتتبعثر حروفُ الشغف، ويذبل كلُّ وعدٍ بُني على الوهم. عندها ندرك أن ما حسبناه حبًّا لم يكن سوى سرابٍ متقن، ارتدى ثوبَ الصدق ليخدع أرواحنا، ويزيّف أجمل ما فينا.
تَبًّا للمشاعر الخادعة، وتَبًّا لكل قلبٍ استهان بصدق القلوب، واستخفّ بحزنها وانكسارها. فما أقسى أن يعبث أحدهم بمشاعرَ كانت تؤمن بالنقاء، ثم يرحل تاركًا خلفه روحًا تُرمّم ما هدمه الخداع، وقلبًا يتعلّم، وإن تأخر، أن الحقيقة وحدها هي التي تستحق البقاء.
فليست كلُّ مشاعرٍ صادقة، ولا كلُّ اقترابٍ وعدًا بالبقاء، ولا كلُّ دفءٍ نمنحه للآخرين يعود إلينا دفئًا. بعضُ المشاعر تأتي لتختبر قدرتنا على التمييز، وبعضُ الأشخاص يعبرون حياتنا ليعلّمونا أن القلب، مهما كان نقيًّا، يحتاج إلى بصيرةٍ تحميه من أن يتحوّل صدقه إلى ثمنٍ يدفعه للوهم.
وربما كان أقسى ما في الحكاية أننا لا نكتشف زيفَ بعض المشاعر حين تبدأ، بل حين تنتهي؛ حين نلتفت إلى الوراء، فنجد أننا لم نفقد شخصًا بقدر ما فقدنا صورةً جميلةً رسمناها له في خيالنا، ثم صدّقناها حتى خُيّل إلينا أنها الحقيقة.
وحينها فقط، نعرف أن بعضَ الرحيل ليس خسارة، بل نجاة؛ وأن سقوطَ الوهم، مهما كان مؤلمًا، أرحمُ من أن نقضي العمر نحرسُ شيئًا لم يكن موجودًا إلا في قلوبنا.
تَبًّا لمشاعر اللحظة حين تُغلق أبواب البصيرة، ومرحبًا بالحقيقة حين تأتي متأخرة؛ فالحقيقة، وإن أوجعتنا، تظلُّ أرحمَ من وهمٍ يُجيد احتضاننا قبل أن يُجيد كسرنا.
2026-08-29