رسائل من كتاب ( بسم المحب المحبة الكبرى) للكاتبة المغربية نوهاد منصوري : الفصل 11….للمحبة ضمائر وظهائر
هيئة التحرير
10 أبريل، 2026

كتب / الاديبة نوهاد منصوري

للمحبة ضمائر وظهائر، يجب وصلها جميعا، بضمير الأنا، المتكلم الجبار.
المحبة الكبرى هي تلك الحِمى، التي تحمي ضميرك الحي، من موته، وتحمي كل ضمائرك الأخرى، من شر إضمارها وإظهارها، لتحفظ عليك الحياة، فتبقيك حيا ترزق.
دعنا نخرج أنفسنا من دائرة الحق الصغرى، أو بالأحرى، دائرة الباطل، التي تصغر وتصعر، إلى دائرة الحق الكبرى، التي ترفع الوعي وتطور.
فالحق بمفهومه الضيق، لا يعدو أن يكون دفاعا عن النفس وعن الأنا، بكل أشكالهما وألوانهما.
أما الحق بمفهومه الواسع، فهو دفاع عن الحق، بالحق، لا بالباطل.
فالمحق الحق، لا يدافع عن الحق، إلا بالحق، من أي باطل، خفي أو ظاهر، مهما كان نوعه، من
قسوة أو قهر، أو أنانية أو كبر.
لأن الأنانية عامة، أساس كل أنواع الشر والضر، من النفس والغير، من الأنا والأنت، ومن كل الضمائر، سواء أكانت ضمائر حية أم ميتة، ضمائر خير أم شر،في أي صرف، وفي أي ظرف.
ذلك أن المحب الحق، تخرجه محبته الحق، من الحب الأصغر، إلى الحب الأكبر، من الحب الظاهر، إلى الحب الباطن، من حب نفسه، إلى حب غيره، ومن حب غيره، إلى حب الحق جل جلاله.
فهو يخرج من كل أنواع الحب، إلى المحب، سبحانه، ليبرأ تماما من الحب ومن الكراهية، من الحب ومن اللا حب، من ضمير الأنا والأنت، ومن كل الضمائر، ليصير إلى الضمير الحي، بل ومن الضمير الحي، إلى الحي، سبحانه، فلا يُبقي إلا على ذكره هو.
لذا فكل من أحبك، أو بحث عن حبك، ما هو في الحقيقة، إلا باحث عن نفسه، في ظلالك ومن خلالك، لأنه يبحث فيك عن امتداد لأصله، فإن وجد خيرا، وصلك واتبعك، وأقام على حبك وأبقى على محبتك، وإن وجد غير ذلك، هجرك وابتعد عنك، ولم يُبق إلا على محبته لنفسه.
لكنه في رحلة بحثه عن نفسه، يتوه في نفسه وغيره، لأنها كلها أرواح، نفخ فيها المحب من روحه، وما بثها فيها، وبعثها بها، إلا لبعثها، برسالة المحبة، الشاملة لكل روح، لأنها الحجة الدامغة، على كل لسان، السائغة في كل جَنان.
هو باحث عن نفسه، في نفسك أنت، وعن أناه، في أناك أنت، لكنه لا يعلم أنه في الحقيقة، لا يبحث إلا عنه هو جل جلاله، في أناك وأناه، وفي كل الضمائر الحية أو الميتة، وتحت كل المظاهر، الأنيقة والمقيتة.
لأنه لا يتذكر، من هو في هذا النسل، ومن هي أناه في الأصل، وما رقمه في الفصل، وطقمه في الوصل، وطعمه في المصل، رغم كل الظواهر المحيطة به، من اسم ورسم، وحسب ونسب، ومال وجمال، وسلطة وجاه.
لذا فهو يحاول الوصل، بكل أوصاله، وبأحلى أوصافه وخصاله، للعودة بالفصل إلى الأصل، والرجوع بالرقم والطقم، إلى العلم والحلم، كي يبرأ من الحول والطول، لأنه لا يتألم ولا يعاني إلا من الفصل، والحنين إلى الأصل.
لكنه لا يذكر أنه في الحقيقة، تائه ضائع في عالم الأنا والأنت، ومختلف الضمائر، الحية والميتة، لأنه كسر ألف الرفعة في الأنا، فانحنى، فوقعت عليه الشدة، فأنَّ وعَنَّ، فهوى وغوى، وتاه وضل في العنا.
وما تاه وما ضل، إلا لأنه سلا وغفل، عن الأصل، بعدما عمي بالفصل، ونسي أن الضمائر كلها، قد تكون مجرد فخ، لأنها كلها نفخ، من تلك الروح، التي لا نعلم عنها شيئا، إلا ما شاء الله تعليمنا.
فقد تكون مجرد شباك، من مكر المحب الأصل، ليوقع بها المحب الفرع، بعدما فقد وصاله، ودام فصاله، ولزم رده إليه بالحب، عبر وصله بكل الضمائر الأخرى، المتصلة والمنفصلة، ليتم وصله بالضمير الأصل، ضمير الأَحَدية الجبار.
لأنه الضمير الذي يلزمه، ليرتاح ضميره، ويريح ضمير كل من حوله، لذا فهو يصله، ليفصله، عن كل ما قد يضله، أو يضره.
يصله، بطاقة الأصل النافعة، ويفصله، عن كل طاقات الفروع الضالة أو الضارة، بروحه التي لا تتصل طاقتها، إلا بالنفخ الروحي الحي.
لأنه النفخ الأصلي والأولي، الروحي السبوحي، الذي لا تتحرك الكائنات إلا به، ولا تتصل ولا تنفصل إلا به، لأنها لا تصل إلا من خلاله وفي ظلاله، إلى الضمير الكلي الشمولي، ضمير الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
لأنه ضمير الأنا الأكبر، المنزه عن الأنا الصغرى، ونيتها وأنانيتها، ضمير الأنا الحق، الأول والآخر، الظاهر والباطن، منه يبدأ الأمر، وإليه يرجع كله، لأنه الأنا المطلق، بالكبرياء، من أي كبر أو رياء، أو ظلم أو عناء، أو غي أو عداء.
وما الأنا المُحِبة، إلا ضمير من الضمائر، إلا أنها هي الضمير الأول الظاهر، منها يبدأ الصرف، وإليها ينتهي التصريف، ليعود إليها، في دورة الصروف والتصاريف.
وما الضمائر عامة، إلا ما تضمر أو تظهر، في انعكاس مرآتك خاصة، ما تضمر هي، وما تظهر أنت، لما تضمره فيك، لأنك متضمن لها كلها، ولانعكاساتها وتجلياتها كلها، على مجرى حياتك، بدءا من كينونتك، وانتهاء إلى صيرورتك.
بها تُصَرِّف الصرف الصحيح، وتتصرف التصرف السليم، وإلا فإنك تسرف في تصريفك، وتبالغ في تصرفك، فيكون إما إسرافا وإفراطا، أو تقتيرا وتفريطا، في سجل محبتك.
وهكذا إن صح التصريف، صحا الضمير، ولم يتم التحريف، فوضح التكليف، وإن لم يصح، أُبْدلت المحبة جحودا وجفاء، وربما حقدا وعداء، لأن النفس في الأصل، ليست إلا فرعا من فروع الغير، الذي يعد بدوره فرعا من فروع الأغيار، وما هذه إلا فروع من أصل تلك الشجرة، التي تؤتي أكلها كل حين، بإذن ربها، وكل ساعة، بسعة ربها، عبر غرسها، وغرس غيرها.
إنها شجرة المحبة الكبرى، أصلها ثابت وفرعها في السماء. والشجرة المباركة معروفة، في كل الأعراف، إنها ذات الأصل الأرضي، والفرع السماوي، فإن كانت جذورها في الأرضين، فإن أفنانها في أعلى عليين.
فما الغير، إلا امتدادا طبيعيا للأنا، وما الأنتَ والأنتِ، وكل الضمائر بعدهما، إلا تكملة بديهية للأنا، ألا ترى أنها تابعة لها، مكملة لتصريفها ؟ فالأنا هي السابقة في الصرف، وكل الضمائر الأخرى، لاحقة بها، لكن هذا فقط في ظاهر العرف.
أما في الحقيقة، فالأنا الحاضرة، هي المكملة إن جاز القول، وإن كانت فعلا صالحة نافعة، لكل الضمائر الأخرى، التي سبقتها بآلاف السنين، والتي ستليها، لآلاف السنين.
وهنا مربط الفرس، لأن الأنا، وإن كانت السابقة، وهذا حالها في الصرف عادة، فإنها ليست الأسبق، في جميع الأحوال رغم العرف، لأنها قد تكون لاحقة، إن استدعت الضمائر الأخرى السبق، في صروف وتصاريف مخالفة.
أما الأنا، متى امتدَّت واعتدَّت، فهي امتداد غير طبيعي للغير، فتكون الأنا الممتدة معتدية، قد اعتدَت على سائر الضمائر الأخرى، وتعدت مجال إضمارها، بإظهارها، لتسلطها وتجبرها، عليها جميعا، لأنها تخال، أنها أفضل من الأنت، ومن كل الضمائر الأخرى، فقط لأنها وضعت نفسها أو وضعها العرف، على رأس لائحة الصرف.
المحبة الكبرى، هي ما ينير لنا الأنوار، لنعي خفايا هذا المضمار، الذي يضمر ليظهر، ويبطن ليبين، والعكس صحيح. فمضمار الإضمار والإظهار عامة، ومضمار الضمائر الحية والميتة، خاصة، هو مضمار متغير ثابت، لأنه حقيقي روحي، سبوحي حي.
ولنا في أي شيء روحي، شيء حي، بل وحي، لأولي الألباب، ولنا في أي شيء حقيقي، حق يقي، بالحقيقة من أي زيف، وبالنفع من أي ضر، كما أنه يقي بالحياة من أي موت، وبالإلهام والوحي، من أي إبهام أو إيهام.
لأنه يفي، بالعهد الأول الأصلي، الثابت الحقيقي، الذي يؤمن لنا مناعة المحبة، ويمنع عنا موانعها.
فما من ضمير حي، إلا ويؤنب صاحبه بشدة، إذا اشتكى منه أي ضمير من الضمائر الأخرى، لأن الضمائر في الحقيقة، كالبنيان المرصوص، إذا اشتكى منها ضمير، تداعى له جسد الضمائر كلها، بالسهر والحُمى.
لأن تراصه، هو الحِمى، والمحبة الكبرى، هي تلك الحِمى، التي تحمي ضميرك الحي، من موته، وكل ضمائرك الأخرى، من شر إضمارها وإظهارها، فتحميك بذلك حتى من نفسك، ومن جميع تجليات إضمارك وإظهارك.
فهي تحمي نفسك، من شطط تنفسك، وتحمي رُوحَك، من مبالغتك في رَوْحك، وتحمي قلبك، من كثرة تقلباتك.
كما تحمي جوانحك، من شتى جنحك، وجوارحك، من مختلف جراحك وتجريحك، ولسانك، من تلسينك…
فهذي ضمائرك مجتمعة، لتُفَعل ضميرك الحي، وتُجْمع على حسن تصرفك، متى أحْسَنْت صرفها وتصريفها، أو تفعل ضميرك الميت، وتُزْمع على سوء تصرفك، متى أسأت الصرف والتصريف.
وكذا إن لم تحسن استعمالها ولا تحويلها، من حال إلى حال، لتعرف مقتضى الحال، في مجمل الأحوال، لتأصيل المحبة الكبرى وتفصيلها، في نفسك الحقيقية وروحك الاصلية، لأجل تصريفها في هذا الكون الكبير، وتدبير شؤونها العليا، في هذه الحياة الدنيا.
2026-04-10