الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 21:12:03
أخبار عاجلة
المديرية العامة للأمن الوطني والمؤسسة الوطنية للمتاحف توقعان اتفاقية شراكة وتعاون لحماية الموروث الثقافي والمتحفي الوطني (بلاغ صحفي مشترك) عاجل ….بلاغ من الديوان الملكي …جلالة الملك يستقبل فاطمة المنصوري  أكادير …توقيف مواطن يحمل الجنسية السويدية مبحوح عنه دوليا  ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى (الأستاذ السي مراد التويبي .. حين يكون التفاني في مهنة التعليم ..رسالة لا مجرد وظيفة .) إنطلاق الموسم الجديد للمقاهي الثقافية ….والبداية من الجديدة والبيضاء  بيان للمندوبية العامة لإدارة السجون : ظروف اعتقال سجناء أحداث إكديم إزيك “عادية ويتلقون الرعاية الصحية اللازمة” اعتقال كل من “الشيخة الطراكس” وزوجة شقيقها ونقلهما للسجن المحلي الأوداية على خلفية نزاع تفجر عبر مواقع التواصل تفكيك شبكة لتزوير وثائق «الفيزا» والاتجار بالبشر بوجدة  الدار البيضاء ….توقيف شخصين يبلغان من العمر 26 و52 سنة، وذلك للاشتباه في تورطهما في حيازة وترويج التبغ المهرب. ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى(الأستاذة لالة سعاد هبولة ..سيدة العطاء و التواضع ..و ذاكرة من الوفاء الجميل .)
الرئيسية / أقلام وأراء / حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكتابة ماجدة غرابو [سنة موت/ سنة حياة…سنة شؤم/سنة أمل ]

حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكتابة ماجدة غرابو [سنة موت/ سنة حياة…سنة شؤم/سنة أمل ]

الرباط نيوز 
إن كتاب: “البورناوت” Burn- Out انعتاق طالبة أستاذة من الجنون؛ هو صرخة بصيغة نون النسوة؛ لانطلاق طائر الفينق وإحيائه من جديد، والانبعاث من الرماد للانطلاق بكل قوة وحرية…
………………..ماجدة غرابو 
لم أفكر يوما أن أكتب سيرة ذاتية، فحياتي ليست بثراء حياة نوال السعداوي أو مغامرات كازانوفا أو صدمة وقسوة حياة شكري! فما أنا إلا أستاذة أو معلمة بسيطة عاشت حياتها بكل هدوء وهي تحادي الجدران، تحلم بغد أفضل لأبنائها وأسرتها الصغيرة. وما هذه السيرة الذاتية إلا صرخة نملة/ أستاذة في هذا المجتمع بصوت جميع ممتهني مهنة التدريس؛ الذين احترقوا مهنيا دون أن يفهموا ما أصابهم ودون أن يجدوا من يشد بأيديهم وعلى عضدهم لينعتقوا من مصابهم، فمنهم من ظل قابعا في قسمه شبه ميت وكأنه جذع شجرة خاو محترق إلى أن تقاعد، ومنهم من انتهى به الأمر كالمجذوب في الحواري والشوارع أو البراري، ومنهم من انتهى به الأمر في مستشفى المجاذيب أو المجانين ومنهم من انتحر منهيا عذابه وصراعه مع الواقع رغم إيمانه الشديد ووثوقه بالله أكثر من أشد الواثقين به سبحانه. فدافعي الأول لكتابة سيرتي الذاتية هو إصابتي بمرضي الذي أتقدم له بجزيل الشكر؛ وممتمنة له أيما امتنان لإصابتي به، فهو كان دافعي للخلاص إما منه أو من الحياة، وصدفة كنت من المحظوظين لوجود أشخاص رائعين بحياتي وجدتهم حولي كما الخبيثين لدفعي بقوة وللتحدي لأظل بهذه الحياة وهذه الدنيا لأتقاسم معناتي بمرض “الاحتراق المهني” المشخص بمرض القلق الذي أثار اهتماما خاصا لدى أحد أعلام الحرية الوجودية كيير كيغارد (Kier Kegard) من حيث هو دافع إلى الإنجاز والإبداع، ويراه كيير كيغارد -أي القلق الخلقي- على أنه موجود منذ عصيان آدم عليه السلام ربه. ولكنه لا يتضح لدى الفرد إلا بعد ارتكابه إثما يعترف به أو يكون منبعا للإبداع، وبأن قوة النفس تنبثق من نجاح الفرد في مواجهة الخبرات التي تثير القلق، فالقلق سبيل إلى نضج النفس الإنسانية وتفتحها عن طبيعتها العميقة الخلاقة، ولكنه يقود إلى الانسحاب أحيانا بدلا من الخلق والإبداع، ويمكن أن يتطور إلى عصاب شديد الأثر.
فانبثقت أولى بوادر هذا الانعتاق والخلاص والخلق حين فكرت في أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة السوسيولوجيا وأن ألقى أساتذتي الأجلاء الذين أتوجه إليهم بكل الامتنان والاحترام والتقدير، فلم يبخل أساتذتي علي في شعبة الفلسفة ومسلك السوسيولوجيا على إمدادي بالطاقة اللازمة لأواصل دراستي وبكل التشجيع لأطور من عطائي وكتاباتي، فكانت الدراسة بالنسبة لي شفاء وبلسما، وكانت الكتابة تحررا من أسر الذات وميلادا منبثقا من الرماد والاحتراق وأسر المرض ومن ضروب الجنون من زاوية النظر المغربية…

سنة موت/ سنة حياة…
سنة شؤم/ سنة أمل

مع بداية الدخول الدراسي 2016/2017 وبعد تمضية عطلة صيف ليست ككل عطلة، وليست كسابقاتها التي أمضيتها طيلة حياتي، ختمت بسنة دراسية قبلها حالكة مظلمة لا نور فيها بالنسبة لي، وغير مفهوم ما ألم بي خلالها! وما كل تلك الحلكة والظلام اللذين يحيطان بقلبي دون أن يلحظهما أحد ودون أن يعي أحد مدى حلكتهما، ومدى ضيق صدري ونفسي بحياتي؟
ستمر العطلة الصيفية بمآسيها وبظلامها، ورأسي يكاد ينفجر أنا التي تعودت أن أكون مرحة وفي أوج راحتي النفسية والمعنوية خلال العطلة الصيفية. فنهاية السنة الدراسية بالنسبة لي دوما يليها أول يوم تاريخ ميلادي الذي يتصادف والفاتح من شهر يوليوز مباشرة بعد الثلاثين من شهر يونيو وهو بالضبط يوم توقيعي على محضر الخروج أو محضر نهاية السنة الدراسية -حسب النظام القديم- يليه أول صباح يوم مولدي، فيوم ميلادي هو يوم تحرري من المدرسة سواء وأنا طفلة ومراهقة وشابة وأنا أدرس وأتعلم، أو تحرري من التلاميذ والتدريس وأنا أدرس وأعلم الآخرين. فمن الجلوس على الطاولة مباشرة وقفت في القسم وأمامي الطاولات بعد سنتي تكوين بيداغوجي بمركز “المعلمين والمعلمات بمدينة الجديدة”، بعدها امتهنت مهنة التدريس مباشرة، ودون أن أجرب أن أكون معطلة كأغلب الشباب المعطلين، فمن مقعد طاولة التلميذة إلى كرسي مكتب الأستاذة، الذي لازال بنفس شكله ولوحه البني ولون حديده الأخضر، منذ كنت أذهب للمدرسة مع أبي كمستمعة أي تلميذة غير رسمية، ما قبل تسجيلي في المستوى الأول حيث يدرس أبي الذي كان يصمم على تدريسنا حيث يعمل، رغم بعد المسافة بين المدرسة وبيتنا، ورغم خوف أمي علينا من الطريق والشارعين الضخمين- بمدينة الدار البيضاء – اللذان نعبرهما مجبرين للوصول لمدرسة أبي، خصوصا عند العود حيث لا يكون برفقتنا، فبعد العمل يفضل الجلوس في المقهى، مع أن مدرستين ابتدائيتين قاب قوسين من بيتنا.
بقيت في نفس المكان واشتغلت في نفس المكان دون فاصل بينهما باستثناء الزمن! أصبحت شابة لا تتجاوز الإحدى والعشرين ربيعا، امتهنت مهنة التدريس بحب وفرحة لا توصفان، فهو المكان الذي لم أعرف غيره أكثر صلاحا لي للعمل وللحياة. وارتبطت العطلة عندي بالصيف والانطلاق والحرية مع السماء الزرقاء الصافية، أنا المحبة لفصل الصيف، فأنا من مواليد شهر تموز، ولا أحب فصل الشتاء منذ طفولتي، لا أحب البرد والسماء الرمادية، أحب الدفء أكثر والصفاء والوضوح وزرقة السماء، أنتعش صيفا وأكتئب شتاء، كنت أظن أن إعلاني عن كرهي للمطر والعسل كفر، فكنت لا أعلنه للآخرين خشية، لأن الأمطار رحمة من عند الله وخير ورخاء، ولأن عسل النحل مذكور في القرآن وفيه دواء وشفاء للناس.
في يوم امتثلت لإلحاح أمي بأن أتناول ملعقة مملوءة عسلا، كاد أن يغمى علي، وبقيت منبطحة أرضا مدة طويلة لا أقوى على الحركة، قبل أن أستعيد وعيي الكامل وعافيتي بعد ذهاب تأثير العسل. وأستغرب للناس كيف يتلذذون بمذاقه الذي لا يجلب لي إلا الإحساس بالغثيان كلما كان أصيلا وطبيعيا أكثر ومن بطون النحل!
أول يوم عطلة، هو يوم التحرر والاحتفال بعيد مولدي في نهاية كل سنة بمعية زوجي منذ تزوجنا إذا كان حاضرا معي، ويعوضه لي فيما بعد في غير موعده، إذا كان غائبا لأنه بحار يمتهن مهنة ربان بأعالي البحار، هكذا هو مكتوب في بطاقته الشخصية، لم أتعود على الاحتفال بعيد مولدي مع أسرتي التي أحيته لي ربما مرة واحدة في عمري أو مرتين تاركة الفرصة للاحتفال بأعياد ميلاد إخوتي لكل فرد منا سنة، لأننا سبعة إخوة. كانت الأسر المغربية وحتى فترة الستينات والسبعينات تشهد الكثير من الخصوبة والإنجاب، أما ما عداه فلا تنظيم ولا تحديد للنسل إلا لماما. فأخوالي أحد عشر فردا، وكنت أسمع عن إحدى عمات أمي التي أنجبت عشرين فردا عاش منهم من عاش ومات منهم من مات، وبقي الأحياء منهم ستة عشر.
فأغلب النساء لا يعملن خارج بيوتهن في غالب الأحيان، بل يعملن على الإنجاب والإنجاب فقط. سينتفض قاسم أمين بكتاباته التي تدعو المرأة للتحرر، وستتزامن انتفاضته وانفجار ثورة نسائية عربية وثورة المرأة المغربية على غرارها، فأزالت النقاب وغطاء الرأس ومنهن أمي التي عايشت شخصيا بذاكرتي الطفولية فترة إزالتها للنقاب من على وجهها ذي الطابع المغربي الأنيق المطرز التقليدي الأصيل، وهو أسود اللون غالبا شبه شفاف، وأبيض اللون بالنسبة للنساء الشماليات أي اللواتي يقطن شمال المغرب. ليس هو كنقاب اليوم في المغرب الذي تداخلت فيه عدة ثقافات وأصبح خليطا من نقاب أفغانستان ونقاب دول الخليج… الذي انتشر مقابل انقراض النقاب المغربي المطرز الجميل الذي كان يكشف عن جمال عيون النساء المغربيات، وكن لا يجدن أي حرج في الكشف عن ثغورهن أحيانا من أجل الشرب وإعادته بعد ذلك لوضعه السابق الذي يغطي الوجه كاشفا عن جمال كحل عيون النساء وقليلا من جباههن، وبالإضافة إلى نزع أمي للنقاب، عايشت أيضا فترة إزالتها للوشم من على وجهها بمشقة كبيرة، كان مظهرا من مظاهر زينة الفتيات والنساء حينها. وليس كما هو الشأن في عصرنا حاليا في الألفية الثالثة حيث لم يعد الوشم حكرا على الإناث وحدهن بل حتى على الذكور، ولم يعد حكرا على بعض مناطق الجسد بل يمكنه أن يغطي أغلب مناطقه، بل أصبح الوشم صيحة من صيحات الموضة العالمية.
وبدأت النساء يلجن ميدان العمل ويقلصن من الحمل والإنجاب وجاءت مرحلة تحديد النسل وتنظيمه. الذي لم ألمسه في مدينة طنجة في المنطقة الحضرية حيث أعمل، حين فوجئت من بعض التلاميذ بعد إجراء بعض الإحصائيات أو بعد تبادل أطراف الحديث مع بعض الأمهات إنجابهن لثمانية أفراد أو أكثر، الشيء الذي لم يعد موجودا أو نادر الوجود حتى في نواحي الدار البيضاء حيث كنت أعمل في المناطق القروية ولا أسمع عن النساء هناك تجاوزهن إنجاب أربع أو خمس أطفال على عكس النساء هنا الشماليات.
* * *
لكن بعيد زواجي، تعودت من زوجي احتفاله بعيد مولدي كل سنة، في أول يوم من أيام العطلة، وأن يهاديني بهدية عيد مولدي، بعدها سيشاركه أطفالي هذه العادة، وككل مرة يخفون عني الأمر، وأتظاهر أمامهم بنسياني له وكأنهم يطبخون المفاجأة وراء ظهري لإدخال الفرحة على قلبي.
الفرحة! الحبور! السعادة! هي لحظات نسرقها من الزمن في انتظار ما سيعصفه بنا، وما سيقذفه في وجوهنا وفي قلوبنا وذكرياتنا. فالسعادة هي مجرد لحظات. فدوما أفضل استغلال أية لحظة فرح تتاح لي، وأغتنمها لأنها فارة من بين أصابعنا كالزئبق، كالسراب نركض خلفها، ونقترب منها فتفر من أمامنا وتنفلت.
فدوما استغرب في كل مرة تطفو بعض الأسئلة على السطح وتبدأ في الطرح من جديد كل سنة هل الاحتفال برأس السنة حلال أم حرام سواء الميلادية أو الهجرية أو الأماريغية؟ هل تبادل الهدايا بمناسبة عيد الحب “فلانتينو ” حلال أم حرام؟ هل الاحتفال بعيد المولد النبوي جائز والفرحة فيه مباحة أم علينا أن نحزن؟ هل الاحتفال بأعياد الميلاد حلال أم مدعاة للحزن على كل عام ضاع من عمرنا في غير مرضاة الله ولم نعمل شيئا للقياه وإرضائه سبحانه؟!
هل….؟ وهل….؟ وهل……؟ كل سنة! كل مناسبة! كل فرح هل؟ وهل؟ وهل؟ كثيرة هي الهلهلات في حياتنا!!! التي تود اغتصاب فرحتنا!!
فلنفرح ولنسعد ولنرقص على أي سبب وأية مناسبة، ما دمنا نستطيع ذلك، ولو بتبادل زهرة أو أية هدية أو حتى بالتذكير بذلك في العالم الافتراضي عبر الشبكة العنكبوتية وعبر الهواتف الذكية أو بتقاسم أكل حلوى أو حتى بابتسامة لطيفة……سواء في أعيادنا نحن كمسلمين عرب أو أمازيغ أو أعياد العم سام أو حتى أعياد الشياطين! فماهي إلا لحظات وهنيهات سريعا ما ستنقضي.
مر علي صيف 2016 حالكا كما لم أتعود عليه عمري كله، ليقترب كل يوم موعد الموسم الدراسي الجديد، وكلما اقترب هذا الموعد السنوي تعودت أن أشتاق إليه وأن أضيق ذرعا بطول العطلة الصيفية كلما أسود قلبي، وأظلمت الدنيا في عيني، كلما ابتعدت رغبتي في العمل من جديد على غير عادتي، ودون أدنى فهم مني أنا شخصيا، أو فهم ما يلم بي!
سافرنا كالعادة، ككل عطلة صيفية، فزوجي يأخذ فترة مهمة من إجازته أو أغلبها متزامنة مع العطلة الصيفية، لنسافر إلى وجهة جديدة لم نراها من قبل في سفرياتنا السابقة، داخل بلدنا المغرب الذي يزخر فعلا بتنوع فريد عجيب! واختلاف كبير بين مناطقه، سواء في جوها أو بناياتها أو لباس أهلها التقليدي أو لهجتها، بل هذا التنوع يطال حتى الخضر والفواكه أحيانا بل إلى درجة اختلاف مذاقها بين المناطق، واختلاف جمال الأهالي من منطقة إلى أخرى، ففي بعض المناطق الصحراوية تجد بعض أهاليها ذوي سحنة شديدة السمرة، وغير بعيد عنهم تجد أهالي صحراوية أيضا لكن ذوي بشرة بيضاء وعيون خضر.
هذا ما لاحظته في بعض المناطق كمضيقي تنغير[- تنغير: تعد تنغير من أهم المواقع السياحية في المغرب، ولعل أشهر المواقع الموجودة في هذه المنطقة هناك مضايق تودغى وجبل صفرو وواحة تنغير بنخيلها الشامخ وبحيرة “السمك المقدس” إلى جانب القصبات والدور التي يعود تاريخها الى عام 1630م فقد كانت تنغير في القديم تدعى تودغى وهو تحريف لكلمة “تودرت” التي تعني الحياة، وتنغير واحة كبيرة تمتد حوالي 30 كلم، فاتسع وادي تودغى وأصبح قبلة للسياح.
] ودادس[- مضيق دادس: هو مضيق ساحر المنظر يقع بمدينة بولمان دادس التابعة لإقليم تنغير منذ 2009، وهي مدينة تقع على بعد 25 كلم من مدينة قلعة مكونة، بين هاتين المدينتية واد دادس، وهي نقطة مثالية للسياح للذهاب إلى وديان دادس وتنغير وجبل صغرو، ومجمل ساكنة بولمان دادس من الأمازيغ ويتحدثون اللغة العربية.
] الرائعين، فبلدنا يزخر بشتى أنواع الاختلافات المنسجمة والمتناغمة جدا.
فقررنا السفر هذه المرة على ألا نتجاوز المنطقة الشمالية التي نقطن بها، فكانت وجهتنا مكانا في اتجاه طريق مدينة الحسيمة إسمه “سطيحات”[- سطيحات: أو سطيحة وهي قرية جبلية مغربية بشمال المملكة المغربية، تنتمي سطيحة لإقليم شفشاون، تضم هذه الجماعة القروية 10.637 نسمة حسب إحصاء 2004.
] يتغنى بجماله بعض أهل الشمال، هكذا أسمع عنه ويتخذونه وجهة بحرية شاطئية لهم. ذهبت على مضض، فقد كانت بي رغبة ملحة بداخلي ألا أسافر وألا أتحرك إلى أي مكان. مع حبي الشديد للسفر منذ صغر سني. وأحببت في زوجي كثيرا هذه الخصلة المشتركة بيننا، وهي اغتنام أي فرصة للسفر.
فالسفر عندي هي لحظات انبهار واستمتاع وهيام بالمناطق التي نقصدها، وهي لحظات هروب وراحة مؤقتة ولحظات سعادة عابرة نسرقها من الزمن قبل الأفول إلى الواقع من جديد، والرجوع للروتين اليومي في حياتنا. تمنيت حينها لو يسافر زوجي وأبنائي دوني هذه المرة، وأن يتركوني لوحدي بالبيت، لكن هيهات أن يتحقق لي مثل هذا الحلم بعد أن تزوجت وأنجبت، فلا يمكن أن يتحركوا بدوني، فأحيانا كثيرة أحس أن الزوج والأبناء هم أصفاد جميلة نحبها ونضعها برضانا حول معاصمنا، كرهت ذلك المكان المسمى “سطيحات”، وحاولت أن أفهم سر إعجاب أهل الشمال بهذه المنطقة فلم أجد شيئا يثير الإعجاب، مع اعتقادي الدائم أن أية منطقة جديدة علي، فهي تستحق الاكتشاف ولها ما يميزها عن أي مكان آخر. لا أعرف لماذا كان هو المكان الوحيد الذي لم يسترع فيه انتباهي أي شيء؟ وأي جمال؟ ولم أجد فيه ما يشدني أو يستوقفني أو يحركني، أم هي نفسيتي التي كانت بتلك الدرجة من الهشاشة والبشاعة والسواد الذي يحجب عنها أي جمال وأي مظهر من مظاهر الحياة؟
فقد بدا لي شاطئا صغيرا محدودا فيه الكثير من الحجارة التي تجرح كل من حاول السباحة وليس متمرسا فيها مثلي، وإلا عليك أن تكون سباحا ماهرا حتى تتجاوز كل تلك الحجارة التي تدمي الأقدام وتجرحك ليرتفع جسمك فوق الماء. وهذا يستحيل في حالتي، فلا أحس بالأمان إذا لم تلمس قدماي الأرض بسرعة وأنا داخل الماء، كما أن رماله سوداء دقيقة جدا، وتلتصق بملابسك وجسدك وأرجلك، ولا تزول بسهولة على عكس كل رمال الشواطئ المغربية العديدة التي وضعت فيها قدماي من قبل والتي تنتفض رمالها وتزول بكل بسهولة. منطقة سطيحات هاته تتواجد ما بين منطقة ” واد لاو” وبين منطقة اسمها “الجبهة” كنت أقول لأولادي عنها مازحة “السنطيحة”، فيضحكون، وأقول عن “سطيحات” ما هذه “المريحات” فيضحكون أيضا.
ونحن عائدون من سفرنا عرجنا على مدينة أصيلة[- أصيلة : وهي أيضا أصيلا وأرزيلا وأزيلا وتعني الجمال باللغة الأمازيغية، وهي مدينة مغربية تقع على شاطيء المحيط الأطلسي، تأسست 1500 سنة قبل الميلاد، سكنها الأمازيغ قبل الفينيقيين والقرطاجيين، إلى أن تحولت إلى قلعة رومانية تحمل اسم ” زيليس ” على بعد (كلم) جنوب مدينة طنجة، وتعتبر هذه المدينة العتيقة لمدينة أصيلا فضاء ساحرا بدروبها الضيقة وجدارياتها المزينة بالرسوم، وبالأسوار المحيطة بها التي يعود تاريخها إلى عهد البرتغاليين.
] معشوقتي الصغيرة، لتناول وجبة سمك شهية عند أحد الطباخين الذي يشهد له الكثيرون بتميزه في مطعمه، يتحرك بسرعة عجيبة بين الزبناء ويتكلم مع الجالسين على كل مائدة ويرحب بهم وكأنهم في بيته، ولا يمكن أن تنهي تناول وجبتك دون أن تراه إلا وقد قام بتبديل ملابسه عدة مرات، وأحيانا يرتدي لباسا غريبا يشبه لباس رعاة البقر الذين كنا نشاهدهم في الأفلام الأمريكية، وبعد انتهائك من الوجبة السمكية اللذيذة، يقدم لك صاحب المطعم تحلية هدية منه، تتضمن الشاي وحلوى مغربية تقليدية أصيلة قديمة. فحركاته وتغييره لملابسه وتعامله المختلف مع الزبائن وأحيانا كثيرة فرضه لما يقدمه لك من طعام بطريقة سلسة وذكية، يخلق تميزه الذي أحاط به نفسه ويجعل مطعمه لا يخلو من الزبائن على خلاف المطاعم الملاصقة لمطعمه، التي لا تعرف نفس الرواج الذي عنده، يشغل معه أحيانا حتى بنتاه الجميلتان والواضح الشبه بينه وبينهما، بل قد يحفز ابنته الصغرى ذات الأربعة عشر ربيعا تقريبا بصوته المجلجل على تنظيف بلاط الزقاق -لأن جزء من المطعم في الهواء الطلق- وكأنه يريد أن يربيها على حب العمل، وكأنه لسان حاله يقول لها: «إنه مطعمكم أنتم أولادي من بعدي، اخدموه ليغدق عليكم خيراته».
يومها وبعد عروجنا على هذا المطعم ونحن قادمون إليه من سطيحات. أتذكر أن قلبي كان يعتصر بين أضلعي، ولا أذكر قول زوجي لي أو ما كان يلومني عنه، الذي أتذكره أنني أحسست وكأن جسمي كله أصبح عبارة عن قلب ينبض بقوة، وأشعر بتضخمه، كنت ممسكة بهاتفي المحمول، وأضغط عليه بقوة، وقاومت نفسي بشدة وقلبي يعتصر بين أضلعي حتى لا أقذف بهاتفي بكل قوة على الجدران، لأخرس زوجي عن الكلام وعن تجريحه لي. لا أريد كلاما، أريد صمتا مطبقا، لا أريد زوجا، لا أريد أبناء، أريد أن أكون وحدي، لا أريد سمك “با ادريس” ولا حتى خدماته المتميزة الذكية. ولا السفر إلى “سطيحات” حيث أمضينا حوالي أسبوع، طال عندي خلاله الإحساس بالوقت مملا مقيتا كما لم يطل عندي الإحساس بالزمن من قبل خصوصا وأنا في سفر.

شاهد أيضاً

الاستاذ. مُحمد شفيق مرعي يكتب:  إلى الأمة العربية سلامي

كتب/ مُحمد شفيق مرعي إلى روح أمي الغالية . إلى من تحيا بداخلي كما الوطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *