الدكتورة منال إمام تكتب: حسابات ومواقف كيسنجر
دة. منال إمام
ساعتين مضت
بقلم / د. منال إمام
لم تكن حرب أكتوبر 1973 معركة عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا صراعًا دبلوماسيًا على النفوذ ومستقبل الشرق الأوسط. وتكشف الوثيقة الأمريكية رقم 173، التي تسجل اجتماعًا بالبيت الأبيض في 13 أكتوبر، كيف تداخلت حسابات الميدان مع مصالح واشنطن، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تناقش إمداد إسرائيل عسكريًا وتسعى إلى إدارة مسار الحرب سياسيًا.
السلاح والدبلوماسية في حسابات واشنطن
ناقش هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، ومسؤولون عسكريون وأمنيون، سبل إيصال الإمدادات إلى إسرائيل، في ظل صعوبات وتحديات لوجستية. لكن النقاش تجاوز مسألة نقل المعدات إلى حسابات أوسع تتعلق بتوقيت الدعم وآثاره على العمليات العسكرية والتحرك الدبلوماسي.
وشرح كيسنجر غايتين أمريكيتين خلال الحرب: الحفاظ على الاتصال بالطرفين، وتهيئة وضع يجعل العرب يرون في واشنطن طريقًا إلى السلام. كما أوضح أن المصالح الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الإسرائيلية، قائلًا إن الولايات المتحدة تريد انتصار إسرائيل بما يدفع العرب إلى التوجه إليها، بينما تسعى إسرائيل إلى ربط واشنطن بها.
تكشف هذه التصريحات أن دعم إسرائيل لم يمنع واشنطن من حساب تكلفة هذا الدعم على علاقاتها العربية، ولا من السعي إلى تعزيز دورها في التسوية المقبلة.
ممر متلا… حين يقلق الميدان الدبلوماسي
ومن أكثر المقاطع دلالة في الوثيقة، تعبير كيسنجر عن خشيته من بدء التحرك الدبلوماسي بينما تتمكن القوات المصرية من الوصول إلى ممر متلا، قائلًا إن ذلك سيضع الولايات المتحدة في مأزق. وربط هذا القلق بهدف إنهاء الحرب بطريقة تدفع العرب إلى اللجوء إلى واشنطن، بما يتيح لها ممارسة الضغط على إسرائيل.
وتكشف هذه العبارة عن مدى تأثر الحسابات الأمريكية بتطورات الميدان، فالتقدم العسكري المصري لم يكن مجرد واقعة عملياتية، بل عاملًا يمكن أن يغير توقيت المفاوضات وحسابات الأطراف. ومع ذلك، فإن الوثيقة تسجل مخاوف كيسنجر وتقديراته، ولا تثبت أن القوات المصرية كانت على وشك الاستيلاء على الممر في تلك اللحظة.
الحرب الباردة وحسابات المصالح: ارتبطت حسابات واشنطن أيضًا بالمنافسة مع الاتحاد السوفيتي، وبخشيتها من أن تتحول نتائج الحرب إلى مكسب استراتيجي لموسكو. لذلك واجه كيسنجر معادلة معقدة: دعم إسرائيل عسكريًا، وتجنب خسارة الأصدقاء العرب، والحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على التأثير في التسوية.
وهنا تتضح المفارقة التي تكشفها الوثيقة: لم يكن الخلاف حول دعم إسرائيل وحده، بل حول وسيلة الدعم وتوقيته وحجمه، وما قد يترتب عليه من آثار سياسية. فالقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وقد تتقاطع أهدافها مع أهداف حلفائها في مرحلة، ثم تختلف عنها في مرحلة أخرى.
الدرس الذي لا يتغير: تؤكد وثيقة 13 أكتوبر أن القوة العسكرية والدبلوماسية تتداخلان في صناعة نتائج الحروب، وأن انتصارات الميدان يمكن أن تغير حسابات القوى الكبرى وتعيد تشكيل شروط التفاوض. لكنها تكشف أيضًا أن التحالفات لا تعني تطابق المصالح، وأن الدعم الخارجي يظل محكومًا بحسابات الدول التي تقدمه.
فالأوطان لا يحميها الارتهان للشرق أو الغرب، ولا التعويل على وعود الحلفاء، فلكل قوة مصالحها، ولكل تحالف حدوده. وحدها الأوطان التي تمتلك إرادتها، وتصون وحدة شعوبها، وتبني قوة جيوشها، وتحافظ على استقلال قرارها، تستطيع حماية سيادتها وفرض احترام العالم لها. قد تتغير التحالفات، وتتبدل المصالح، لكن الحقيقة التي تؤكدها دروس أكتوبر باقية: بسواعد أبناء الوطن تُصان الأرض، بإرادتهم يُحمى القرار، وبوحدتهم تبقى السيادة. فالأوطان لا يحميها إلا أبناؤها.
مصدر الوثيقة:
U.S. Department of State, Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXV: Arab-Israeli Crisis and War, 1973, Document 173, “Memorandum of Conversation,” October 13, 1973.
2026-10-13