إقليم بنسليمان…”مسكين هذا الإقليم”
عبدالنبي مصلوحي
24 سبتمبر، 2024
كتب / عبدالنبي مصلوحي
إقليم بنسليمان،. واحد من الأقاليم المهمة وسط البلاد، على الواجهة الأطلسية، بشواطىء جذابة تمتد على طول أزيد من 30 كلم، وغطاء غابوي يبلغ حوالي 58 ألف هكتار، يأوي (الإقليم) حوالي ربع مليون ساكن حسب إحصاء 2014، موزعين على 15 جماعة، ثلاث حضرية والباقي قروي، وبمساحة تصل الى 2400 كلم مربع، أقل بقليل من مساحة دولة اللوكسمبورغ في أوروبا التي لا تتجاوز مساحتها 2586 كلم مربع، وضعف دولة البحرين في الخليج بأكثر من ثلاث مرات ، يمثله تحت قبة البرلمان ثلاثة برلمانيين.
إلا أن المثير للاستغراب، أن إقليما بهذه الأهمية الاستراتيجية وبهذه المساحة التي تفوق مساحة دول بأكملها، وبعدد ممثليه في المؤسسة التشريعية و بهذه الإمكانيات الطبيعية والبشرية، يكاد يكون في ذيل قائمة الأقاليم الساحلية على جل المستويات..
ثلاثة برلمانيين، يتكلمون باسمه بالمؤسسة التشريعية، ولا يتوفر لديه حتى ‘الطوبيس” الذي يمكن أن يوصل طلبته الى كلياتهم بالمحمدية في ظروف تحترم إنسانيتهم، الجميع يتفرج على هذه الفئة التي تمثل المستقبل، وهي تعيش المعاناة اليومية كي تصل الى المحمدية، حيث توجد كلياتها في “طوبيسات” متهالكة، إقليم بهذا الحجم وهذا الموقع، يفترض أن يكون نموذجا لباقي الأقاليم الاخرى، في التنمية وفي الخدمات وفي الرياضة وفي التعليم..يفترض، أن تكون له كلياته، ومعاهده العليا، ومستشفيات محترمة بها كافة الاختصاصات، ويكون به فريق لكرة القدم ضمن فرق الصفوة، و يكون به أسطول للنقل الحضري يليق بالانسان، ليس مثل هذه “الطوبيسات” التي تشبه الأكواخ التي لم يعد أحد يسكنها، وتكون به محطة طرقية كبيرة ومحترمة..
إنسان هذا الإقليم مقهور حتى الموت، مستوى عيش معظم الناس في الحضيض، التنمية الاقتصادية في الحضيض، الصحة في الحضيض، الخدمات والمرافق الاجتماعية في الحضيض، وكأن هذا ‘الحضيض” قدر قدره الله على ساكنه.
غير أنه إذا كان من مسؤول عن هذا الواقع، فسيكون بلا شك، هو الساكن نفسه، أي المواطن، لأنه هو من انتخب المسؤولين الذين صنعوه و أحاطوه بكل الرعاية التي يحتاجها كي يتجذر، لأن التنمية في الإقليم بجماعاته ال15 و ما تنطوي عليه من تعقيدات، لا يمكن ان تحصل دون وجود من يتولى تحريك أدواتها بإخلاص و فعالية في الاتجاهات الصحيحة، و أعني هنا المجالس المنتخبة الموكول لها تدبير الشأن العام.
إن البؤس السياسي والتدبيري بأبعاده المختلفة والترهلات المركبة التي تعيشها معظم مجالس جماعات إقليم بنسليمان، جعلت أسباب الحياة الكريمة في هذا الإقليم “مريضة”، و لا أمل في علاجها بالمسكنات، لقد بات حالها يحتاج الى عمليات جراحية..الصحة مريضة، الشغل مريض، الخدمات ومنها النقل مريض، الرياضة مريضة..البنيات التحتية مريضة، اللافت في هذا الإقليم هو تقاطر الكلاب الضالة والمشردين على أهم تجمعاته السكنية، كبوزنيقة وبنسليمان، وفوضى احتلال الملك العمومي الذي أصبح تنظيمه خارج سيطرة السلطات.
مجمل أقاليم المملكة، لديها كليات و مدارس عليا قريبة من طلبتها، أو على الأقل حافلات محترمة تقل الطلبة والمواطنين في ظروف محترمة، ولدى جماعاتها مسارح و دور ثقافة محترمة وفرق رياضية تمثلها وترفع من إشعاعها، و أيضا لديها محطات طرقية حقيقية و أساطيل نقل حضري في المستوى، لديها مرافق اجتماعية لائقة، لديها شركات نظافة محترمة..لديها..لديها، إلا هذا الإقليم، وهو إقليم طويل عريض بمساحة دول. إقليم غني بساكنة لا اعتبار لها ولا أحد يهتم بها وبتطلعاتها، و كأنها لا شيئ، التنمية بكل جماعاته الخمسة عشر “مخنوقة” والخدمات “مهلوكة”..، والمجتمع المدني صوته مبحوح، كأن على رؤوسهم الطير..إلا من رحم ربي.
وهذا الحجم الكبير من الأعطاب التي خلقت هذه الصورة البئيسة لهذا الاقليم، سببها، كما سبقت الإشارة، هو أن الانتخابات، سواء الجماعية او البرلمانية، لم تعد تفرز مكونات المناعة. و هي الكفاءات المعرفية و الٱخلاقية التي يصوت عليها الناخب، الكفاءات التي تفكر في المواطن ولها غيرة على هذا الاقليم..الكفاءات التي لها القدرة على خلق المشاريع الكبرى والدفاع عنها لفائدة المواطن، كإنشاء الجامعات والمستشفيات و الاحياء الصناعية…انتخابات هذا الإقليم صاحب الرقم القياسي في إعادة الانتخابات التشريعية، أصبح متخصصا في ملأ كراسي المجالس الجماعية بكل من هب ودب، ممن لا يستطيعون المرافعة حتى على حافلة محترمة لنقل الطلبة إلى وجهاتهم الدراسية.
المجالس الجماعية، ، هي مواقع لإبداع الأفكار و المقررات القوية التي تخلق التنمية والتقدم، وليست مجرد مجامع لتحقيق “الأحلام الفردية”…وعلى الناخب أن يتعلم الدرس، ويفهم جيدا أن هذا البؤس هو من خلقه عندما ذهب الى صناديق الاقتراع، عليه أن يعي أنه هو من جنى على نفسه عندما منح صوته لمن لا قدرة ولا رغبة له في مواكبة التحديات و تطلعات ربع مليون ساكن، علي هذا الناخب أن يعلم أنه بدون ناخب واع بأهمية صوته في صناعة المستقبل، ستظل جماعات هذا الإقليم على حالها، ولا سبيل إلى التخلص من هذه الكائنات المسؤولة عن واقع الحال إلا إذا حدثت معجزة، وإن كان عهد المعجزات قد ولى.
ونختم، بالدعاء الى الله ليرفع عن ساكنة هذا الإقليم المسكين هذا “البلاء” المتمثل في هذه العينة من “المنتخبين” التي لم تنجح في شيء لفائدة الساكنة، ربما النجاح الوحيد المحسوب لها، هو تنظيم مهرجانات التبوريدة لأن فيها “الحبة والبارود”، أما الباقي، فإنها لم تفعل شيئا، ولن تفعل، سوى الاستمرار في التربص ببعضها البعض والتطاحنات والبلوكاجات التي تؤدي في النهاية إلى حرمان الساكنة مما تستحقه من تنمية وحياة كريمة.
2024-09-24