ولما لا يدق قلبي للبلدين بعدما شربت من نهرين …
بشرى عبد المومني
26 أغسطس، 2018
كتب : بشرى عبد المومني
في أول غربتي بألمانيا عشت ضغطا وقوة مهيبة على النفس، وكان السؤال الأول كيف سأقاوم؟ لم يكن الأمر سهلا، لكنني نجحت في مواجهة الغربة باللجوء إلى نهر الحنين أغسل فيه دمعي، أتنفس في الماء عشرات المرات لأعيد هوائي الذي تركت، سمائي وأهلي، حتى التربة تصبح قصيدة شائكة في الغربة.
لا يمكن أن أعيش في كهف منعزل عن العالم، ولا يمكن أن أغلق الأبواب على نفسي في حصون منيعة وأقطع كل أنواع التواصل البشري والاجتماعي في مجتمع يأبى على الإنسان أن يعيش دون أخيه الإنسان، ولا أستطيع أن أواصل وجودي كبشر دون روح المعاشرة الإجتماعية بالإحتكاك والتفاعل مع الخصوصية الحضارية في بلد ارتضيته لي وطنا ثانيا.
مجبرة تعايشت أنا والغربة فاحتالت علي احتيالا جميلا، دفعتني إلى الحياة أكثر وأعمق.
ولامست سيرة الحياة الجمعية خارجا وداخلا وتأثرت بكل ماكان حولي وتجمعت كل التأثيرات في صحن النفس وفنجان الذاكرة ثم دق القلب للبلدين وصرت ابنة الضفتين ولا يمكن أن أكون زبدا على شواطئ البلدين.
فالبشري كائن يتأثر ويؤثر طبعا والمسافة مع الوطن الأصلي جعلت رؤيتي مختلفة تماما والثقافة الجديدة أعطت معنى لحاضر أعيشه ومستقبلا أترقبه.
إن الهجرة أشبه بعملية ولادة جديدة قد تكون مدخلا إلى عالم جديد، فتقتات الهوية من الآخر والمحيط المعاش بل هي صيرورة قيد التشكل وباستمرار، لم تعد الهوية جامدة منغلقة، فانفتحت بالضرورة على آفاق التعدد والاختلاف وغدتْ خصبة طرية وغدوت ابنة الضفتين ينبض قلبها للبلدين.
2018-08-26