الرباط نيوز من تيزنيت. بقلم/ الأستاذ المصطفى ال الشيخ ماءالعينين
ليس كل كلام يلقى في موسم علمي يكون من جنس الكلام العابر ولا كل محاضرة تسمع في حضرة الأولياء والعلماء تنقضي بانقضاء مجلسها فقد تخرج من أفواه أهل العلم كلمات لا تكون مجرد بيان لمسألة بل تكون إحياء لأصل وتصحيحا لمسا وتذكيرا بأمانة كادت تغيب تحت كثرة الأسماء والألقاب والشبهات .
ومن هذا القبيل كانت الكلمة التي ارتجلها سماحة الدكتور الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين ممثل المملكة المغربية بمجمع الفقه الإسلامي الدولي و عضو بالديوان الملكي سابقا، في رحاب مركب ضريح الشيخ ماء العينين بمدينة تيزنيت، في اليوم الرسمي لموسم الإمام العالم المقاوم المربي المصلح والموحد الولي الشهير الشيخ ماء العينين، فقد بدا المجلس في ظاهره مجلس علم ضمن موسم من المواسم الدينية الصوفية، لكنه كان عميق المعاني كان مجلس مراجعة للذات الصوفية مستنطقا للأحكام التي غيبت، من أجل تنزيلها على الحاضر والواقع وتنبيها إلى أن ما ينسب إلى التصوف ليس كله تصوفا وأن ما يسمى مشيخة لا يستمد شرعيته من الاسم والنسب وإنما من العلم والعمل به وفقا لتعاليم علوم ديننا الإسلامي الحنيف.
فالذي زاد هاته المحاضرة وزنا وثقلا هو أنها صدرت عن رجل من صميم بيت عريق في العلم والتصوف بيت عرف في تاريخ مملكة مغربنا الأقصى بحمل لواء العلم والتربية والسلوك وبالحضور في ميادين الجهاد والمقاومة وخدمة الوطن. بيت انتقل فيه ميراث المعرفة والتدين في أجياله المتعاقبة بثبات ورزانة وحكمة لا على سبيل التفاخر بالانتساب وإنما على سبيل حمل الواجب الديني الثقيل وأداء أمانته العظمى، إذ تكمن دلالة الحديث عن التصوف حين يصدر من خارج بيوته إذ قد يفهم ويفسر أنه نقد من بعيد عن النهج، أما حين يأتي من داخل بيت من بيوته الكبرى فإنه يصبح أقرب إلى المراجعة من الداخل وإلى النصيحة التي يراد بها صون الأصل من أن تشوب طهارته شوائب مدنسة، وحراسته من أن يخالطه ما ليس منه.
وقد جاءت هذه الكلمة في ظرف يحتاج فيه الخطاب الديني في بلادنا إلى قدر كبير من التمييز بين المقامات والممارسات وبين حقيقة التصوف وما قد يلبس به من عادات أو طقوس أو دعاوى لست منه في شيء، فليس كل من رفع شعار الولاية ولاية وليس كل مدع للولاية وليا مع أن الأولياء لايدعون الولاية ويهربون من أن ينعتوا بها، ولا كل من لبس لباس المشيخة شيخا ولا كل من انتسب إلى طريقة صار من أهل الطريق، فإن الأسماء لا تقوم مقام الحقائق والانتساب لا يغني عن الاستحقاق والمظهر لا يقوم مقام الجوهر والتصوف في ميزان أهل العلم ليس زخرفا في الأحوال ولا حركات من الأجساد ولا ألقابا تتداول ولا وسيلة إلى استجلاب العوام أو إحكام النفوذ للسيطرة عليهم، وإنما حقيقته تزكية للنفوس وتربية للقلوب وتصحيح للقصد وتهذيب للخلق ومجاهدة للهوى بلزوم أوامر الشريعة بتعظيم للتوحيد وإخلاص في الله وحده وصدق في معاملة خلقه تعالى.
ولهذا وكما أفاد الشيخ حمداتي في كلمته هو أن التصوف السني لا يمكن أن يكون خصما للشريعة ولا طريقا منفصلا عن الكتاب والسنة ولا ميدانا لتعطيل أحكام الدين باسم الذوق أو الحال، فما وافق أصول الشريعة واستقام مع التوحيد فهو مما ينظر فيه بعين العلم وما ناقض أصلا قطعيا أو فتح باب الغلو في الأشخاص أو جعل للمخلوق موضعا لما لا يكون إلا للخالق سبحانه فلا ينبغي أن يمنح حصانة الاسم الصوفي ولا أن يستر خلف حرمة المشيخة بل الواجب فضحه والتحذير منه ونبذه.
وإنه من تمام الإنصاف في مثل هاته المسائل والأحوال أن يفرق المرء بين نقد الفعل والحكم على الأشخاص فلا يتسرع في إطلاق الأحكام العقدية على الأعيان والجماعات بغير علم ولا تحقيق كما لا يصح في المقابل أن يسكت عن ممارسة ظاهرة البطلان بحجة الانتساب إلى التصوف أو التستر خلف مقام ديني فالحق لا يعرف بالأسما وإنما تعرف الأسماء بالحق.
ومن أبلغ ما حملته كلمة الشيخ حمداتي أن المشيخة ليست تركة عائلية يتوارثها الأبناء كما تتوارث الأموال وليست لقبا يلحق بالاسم لمجرد القرابة وإنما هي أمانة دينية ومسؤولية علمية وتكليف ديني أخلاقي لوجه الله ومخافة غضبه، فمن تقدم للناس في مقام التربية والإرشاد وجب أن يكون له من العلم ما يهديه ومن الورع ما يزكيه ومن الاستقامة ما يحفظه ومن الخلق ما يجعله أهلا لأن يقتدى به. فليس كل ابن شيخ شيخا وليس كل منتسب إلى بيت علم عالما ولا كل من جلس مجلس الإرشاد صالحا للتوجيه، فأعظم وفاء نقدمه للأسلاف أن نمنع الانتساب إليهم من أن يكون مطية لغير المؤهلين وأن نحفظ أسماءهم من أن تتحول إلى شهادات مجانية على أهلية من لم يستجمع أهلية العلم والسلوك، وهذه لعمري من أشرف معاني الأمانة التي يحملها كبير البيت العلمي لأن صيانة مكانة الأسرة لا تكون بكثرة من يقدم باسمها بل بحسن اختيار من يتقدم فيها ولا تكون بحفظ الألقاب بل بحفظ المعاني التي جعلت للألقاب حرمتها، فالمشيخة مقام له أدبه والزاوية حرمة لها شروطها والعلم منزلة لها أهلها، ومن هنا كان التنبيه إلى ضرورة أن يتولى هذا المقام من جمع بين العلم والتدين وبين المعرفة والتجربة وبين حسن السيرة وصحة الاعتقاد حتى لا تتحول المشيخة من مدرسة للتزكية إلى وسيلة للنفوذ وتحصيل الأموال بالحرام من خلال تصوير الأوهام وإقناع العامة بها، وأن لا تتحول الزاوية من موطن للعلم والذكر وتهذيب القلوب إلى مجال للدجل و الاستغلال.
ومن أهم ما يستحق الوقوف عنده في هذه المحاضرة دعوة الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين إلى التفكير في إطار مؤسسي عالي المستوى يتولى التأطير والضبط والرقابة العلمية على من يتصدرون للمشيخة والإرشاد داخل المجال الصوفي بما ينسجم مع الثوابت الدينية للمملكة المغربية مع حفظ الاختصاصات المقررة للمؤسسات القائمة، وهذه الفكرة إذا أخذت في معناها العلمي الرصين لا ينبغي أن تفهم على أنها تضييق على التصوف ولا مصادرة لعمل الزوايا وإنما يمكن أن تكون على العكس وسيلة لصيانة المجال من الدخلاء وحماية للناس من الاستغلال وتمييزا بين التدين الرشيد وبين ما قد يلبس عليه من خرافة أو وثنية أو شعوذة.
فليس التصوف في حاجة إلى أن يدافع عنه بكل ما ينسب إليه بالترك بل إن أعظم الدفاع عنه أن يرد عنه ما ليس منه وأن يرفع عنه ما علق به من شوائب وأن تستعاد للمشيخة شروطها وللزاوية وظيفتها وللعالم منزلته ومكانته اللائقة.
وإذا كان المغرب قد عرف عبر تاريخه المشرق الطويل حواضر صوفية كان أصحابها من أهل العلم والفقه والذكر والتربية فإن الوفاء لذلك التاريخ لا يكون باستنساخ مظاهره وإنما باستحضار روحه فقد كان التصوف بالمملكة المغربية سني في أصوله المعتبرة متصلا بالعلم منضبطا بالشريعة قائما على تزكية النفس وحسن السلوك لا على صناعة الأساطير ولا على استثمار جهل العامة. تبدو كلمة الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين أقرب إلى عملية غربلة هادئة للتراث الصوفي لإبقاء الذهب ذهبا ورد الدخيل إلى موضعه وإعادة التمييز بين الطريق والحكاية وبين التربية والخرافة وبين الشيخ الحقيقي ومن اتخذ من المشيخة مظهرا وملبسا وموردا ماليا وسلطة نافذة.
وإن أصدق البر بالشيخ ماء العينين وأمثاله من أعلام العلم والسلوك ليس في كثرة إقامة المواسم ولا في ترديد الأسماء ولا في رفع الرايات وإنما في حفظ الأصول التي عاشوا لها من علم وتوحيد وعمل وخلق لخدمة الدين والوطن وإقامة السلوك على ميزان الشريعة، بهذا اكتسبت المحاضرة معناها الأبعد من موضوعها المباشر فقد اجتمع فيها مقام العالم وتجربة الشيخ ومسؤولية كبير الأسرة ونظر الرجل الذي يدرك أن المجال الديني إذا لم يصن بالعلم انفتح للادعاء وإذا غاب عنه التأطير استباحه الدخلاء وإذا انفصلت المشيخة عن أهلها تحول المقام الشريف إلى مجرد صورة بلا مضمون ولا مفهوم نافع سليم.
تقرأ كلمة الشيخ على أنها رسالة إلى أهل التصوف قبل غيرهم أي أن لا تجعلوا النسب بديلا عن العلم ولا تجعلوا المظهر دليلا على الصلاح ولا تجعلوا شهرة الأسرة حجة على أهلية الفرد ولا تسمحوا بأن يكون المقام الشريف غطاء لما لا يليق به، كما أنها رسالة إلى أهل العلم في أن السكوت عن الدخيل ليس دائما حكمة وأن تبيان الحق في موضع الالتباس من صميم الأمانة العلمية ما دام البيان قائما على العلم والعدل بعيدا عن التشهير والتجني والتسرع.
وهي كذلك رسالة إلى المجتمع في أن التصوف الصحيح لا ينبغي أن يقاس بما يثير الدهشة ولا بما يستهوي العوام وإنما بما يثمره في الإنسان من تقوى واستقامة ورحمة وصدق وتواضع.
هكذا خرجت الكلمة من حدود المناسبة إلى أفق أوسع، من الحديث عن موسم إلى الحديث عن معنى المشيخة ومن ذكر شيخ من أعلام المغرب إلى مساءلة صورة الشيخ في حاضرنا ومن الاحتفاء بالموروث العظيم إلى مساءلة كيفية حفظه، وأجمل ما فيها أنها لم تجعل الوفاء للماضي حبسا في الماضي بل جعلته مسؤولية في الحاضر فالسلف لا يكرمون بمجرد الانتساب إليهم وإنما يكرمون بحفظ ما استودعوه في الأمة من علم وخلق وسلوك ذاك هو جوهر قيمة هذه المحاضرة المرتجلة التي جاءت من مقام يعرف ثقل المقام ومن بيت يعرف معنى المشيخة ومن رجل أدرك أن أشد الغيرة على التصوف أن يينقى من كل ما ليس منه وأن أصدق الوفاء للأولياء أن تصان طريقتهم من الغلو وأن تحفظ الزوايا من الدخيل وأن يبقى العلم ميزانا والتوحيد أصلا والشريعة حكما وفيصلا والأخلاق ثمرة والاستقامة عنوانا، فإذا كانت المواسم تقيم للعلماء ذكرا فإن مثل هذه الكلمات تقيم للعلم ذكرا وإذا كانت الأضرحة تحفظ الذاكرة فإن العلم يحفظ المعنى وإذا كان النسب يعرف بالبيت فإن العمل هو الذي يعرف بأهل البيت.
وهكذا يكون الوفاء الحق للشيخ ماء العينين أن يبقى العلم علما والتصوف تصوفا والمشيخة مشيخة والزاوية زاوية وأن يرد كل مقام إلى أهله وكل معنى إلى أصله حتى لا يضيع جوهر التراث بين كثرة المدعين ولا يختلط نور السلوك بغبار الأهواء في زمنٍ تتعدد فيه الأصوات وتكثر فيه الدعاوى وتتشابه فيه الأشكال لتبقى كلمة العالم المتمكن ذات شأن لأنها تضع للمعاني حدودها وللمقامات قدرها وللانتساب شروطه وللمشيخة حرمتها.
ومن هنا يمكن القول إن كلمة سماحة الدكتور الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين لم تكن مجرد إضافة إلى برنامج موسم علمي بل كانت تذكيرا بأن تراث الأمة لا يحفظ بكثرة الكلام عنه وإنما بحسن القيام عليه وأن المشيخة لا يرفعها النسب وحده وأن التصوف لا يصونه الاسم وإنما يصونه العلم والتوحيد والاستقامة وحسن السلوك.
فحيث كان العلم كان الأمان وحيث حضرت الشريعة استقام الطريق وحيث صدق السلوك صفا القلب وحيث صينت المشيخة عن الدخيل بقي للزاوية قدرها وللتصوف صفاؤه ولموروث واجتهاد وابتكار العلماء عظمته ومهابته.