الاعلامية والسياسية والروائية بديعة الراضي تكتب : الدوار الذي نريد
ذة . بديعة الراضي
5 ساعات مضت
كتب / بديعة الراضي.
لقد ذهبنا حيث هم.
لم نذهب إلى الدوار بحثا عن صورة تزين صفحات الجرائد، ولا عن خطاب انتخابي جديد، بل ذهبنا لنستمع إلى الصمت الثقيل الذي يملأ البيوت، وإلى الأسئلة التي لم تجد من يجيب عنها من وزرائنا الذين انخرطوا في خرائط التغول الاقليمي والجهوي كخطأ فادح الذي اغتال مبدأ التشارك الذي رفعناه كوطن تواق الى التميز في المشهدين الاقليمي والجهوي والدولي .
لقد كنا هناك، حيث ينتهي الإسفلت وتبدأ معاناة الإنسان، اكتشفنا أن الوطن لا يقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بعدد الأطفال الذين يصلون إلى مدارسهم في أمان، وعدد النساء اللواتي يجدن مركزا صحيا يحفظ كرامتهن، وعدد الشباب الذين لا يضطرون إلى مغادرة ترابهم بحثا عن حياة ممكنة.
ذهبنا بقناعة راسخة أن الدوار ليس هامشا في الخريطة، بل هو أصل الحكاية. وإذا كان الوطن قد اختار الجهوية المتقدمة خيارا استراتيجيا، فإن نجاحها لن يتحقق ما لم يصبح الدوار هو نقطة الانطلاق في كل تخطيط، وكل ميزانية، وكل قرار سياسي. فلا يمكن بناء جهة قوية بجماعاتها الحضرية والقروية إذا ظل الدوار يعيش بمنطق الاستثناء والإهمال.
حاجيات الدوار تحتاج إلى صناديق جهوية بميزانيات عادلة بين مختلف الجهات، تراعي الإنصاف المجالي وتعيد توزيع الثروة وفق حاجيات الإنسان لا وفق موازين النفوذ. لا تحتاج إلى رؤساء مؤسسات منتخبة متغولين، يحتكرون قرار المنح ويحولون التنمية إلى وسيلة للهيمنة السياسية، ويمنحون الأمل لمن يشاؤون ويحجبونه عمن يشاؤون، وكأن المال العمومي ملكية خاصة لا حقا دستوريا للمواطن.
الدوار يحتاج إلى قراءة علمية للمجال الترابي، تحفر عميقا في الجغرافيا الاجتماعية، وتؤسس خرائط حقيقية للتغيير، لا إلى مقالات موسمية وكاميرات للتلميع عند كل زيارة لمسؤول يملك السلطة والمال والإدارة. التنمية لا تصنعها العدسات، بل تصنعها السياسات العمومية العادلة.
الدوار لا يحتاج إلى الخروج الشعبوي لبعض الكائنات الانتخابية التي ما تزال تعتقد أن ربيع الخراب قادر على إعادتها إلى مقاعد الرئاسة عبر المتاجرة بالفقر واليأس وتأليب الناس على المؤسسات بأوصاف لم تفاجئنا لأننا نعرف أهدافها ودلالاتها في هدم المسار،لهذا نقول ان المغرب يحتاج اليوم إلى عقل الدولة، لا إلى ضجيج الشعارات، وإلى مسؤولية الإصلاح، لا إلى صناعة الأوهام والى خطاب مسؤول لا إلى تبخيس لأدوار رجال الدولة ورجال السياسة ونسائها بالطبع.
وعودة للدوار فإننا نحتاج لإصلاحه الى برنامج تنموي منبثق من مخططات جهوية تعرف عمق التراب، وتقرأ خصوصياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما يحتاج إلى طرق ومسالك قروية تحفظ كرامة السكان، وإلى ماء صالح للشرب، وتعميم شبكات التطهير والكهرباء والإنترنت، ومدارس حديثة تقضي على الهدر المدرسي، ونقل مدرسي يحمي التلاميذ، ومراكز صحية مجهزة بالأطر والأدوية وسيارات الإسعاف، وسياسات مائية تحمي الفرشة المائية وتؤمن السقي، ودعم للفلاح الصغير، وتشجيع للاقتصاد الاجتماعي والتعاونيات، ومواكبة للشباب والمقاولات الصغرى، وفضاءات للثقافة والرياضة، ورعاية للمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، وتمكين للنساء اقتصاديا واجتماعياً، وحماية للتراث والبيئة باعتبارهما جزءا من هوية المكان.
لقد ذهبنا حيث هم لنكتب عن وجوها أنهكها الانتظار، وجوها لا تريد المستحيل، بل تريد فقط أن تشعر بأنها ترى، وأن المؤسسات وجدت من أجلها.
في الدوار وجدنا رجالا أرهقتهم سنوات الجفاف، ونساء يحملن الماء كما يحملن أعمارهن، وشبابا يؤجلون أحلامهم لأن التنمية لم تصل بعد إلى أبوابهم. وكلما ارتفعت أصواتهم ، خرج من يحاول شراء الصمت بصناديق التغول، أو تحويل الحق إلى منة، والمواطنة إلى ولاء انتخابي.
إن الدفاع عن العمل المؤسساتي لا يعني الدفاع عن اختلالات التدبير، بل يعني الانتصار لمؤسسات قوية، خاضعة للمسؤولية والمحاسبة، تجعل المال العمومي في خدمة العدالة المجالية، وتعيد الثقة بين المواطن والسياسة.
فالمؤسسة القوية ليست تلك التي تتركز فيها السلطة، وإنما تلك التي توزع التنمية بعدالة وتخضع للمراقبة والمساءلة.
نريد أن نجعل الدوار أولوية وطنية، لا فقرة عابرة في البرنامج الحكومي. نريد أن تنعكس التنمية على وجه الدوار حتى يصبح الاستثناء قاعدة، ويصبح الأمل سياسة عمومية لا وعدا انتخابيا. نريد برنامجا حكوميا يؤمن بأن بناء المغرب يبدأ من أصغر دوار، وأن قوة الجهة لا تقاس بارتفاع العمارات في المدن، بل بكرامة الإنسان في القرى والجبال والسهول، وأن يصبح الدوار رافعة للتنمية، ،عندها فقط سنكون قد انتصرنا لفكرة المغرب الذي نريد؛ مغرب العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والكرامة الإنسانية، وهي القيم التي لا يزال المشروع الديمقراطي الحداثي، في عمقه اليساري الاشتراكي، يعتبرها الطريق الأصدق لبناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع ثرواتها، ومنصفة لكل أبنائها، أينما كانوا.
2026-07-08