قصص من دوامة الاماني للكاتبة والاديبة المصرية سناء شمس الدين على موقع الرباط نيوز [نرجس]
هيئة التحرير
9 مايو، 2026

كتب / سناء شمس الدين
مثل كثير من الصباحات الحزينة، أخرج من قوقعتي؛ لم أختر ملابسي الملونة، بل أذهب إليه بثوبي الأسود. في هذا الفضاء الرمادي تستقبلني نسماته اليودية مرحبة، والسماء تستند على حافة أفقه، حيث يلتقي الأزرقان.
همست للبحر :
“أهلاً يا عشقي الذي لا يفنى.. أغويتني لترد إلي روحي.”
كان بابك موصداً ودخلنا من نوافذك البعيدة في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، وبنينا قصراً مدهشاً يصب البحر في بحيرته المقدسة. قلت لي يوماً:
خرجت لي من البحر حورية فضية لتنقذينني من نفسي وأنا أرى صورتي في صفحة البحيرة المقدسة تناديني.”
لكن قلبي غرق.. فلمن تغني النوارس؟ ويردد خلفها كورس الموج المراوغ، وتعزف الرياح سيمفونية الوداع لأنثى تحتضر.
كنا معاً، هل تتذكر البحر والليل والقمر الحزين عندما ألقى لنا بنجومه الطازجة مناً وسلوى؟ حين أضاء صمتنا الموحش، فانتشينا والبحر والهوى بعبير اللقاء الأخير. كنا على حافة الدهشة والنشوة العابرة، ثم خطفتك من أحضاني غربان سود فارتجفت أجنحة الطير في قلبي.
كان هناك شيء يتغير في شوارع “طرح البحر”، وعيناك تحتوياني وتلملمان شتاتي في
دفء الحنان والأمان، وصدى ضحكاتنا تردده السيارات المارقة.
قال البحر للموج
“جاءت في ميعادها تماماً، تلك الجميلة الهادئة البشوشة كطلعة الفجر، وهي تخفي خلف ابتسامتها العذبة حزناً عميقاً.”
ورد الموج على البحر
سوف نهون عليهما ونخفف من حزن عينيه الصافيتين كأعين الديك.”
جلست أداعب الرمال المبتلة، بنيت هرماً من الأماني يتصاعد يحمل أجمل الذكريات التي أعيش على فيض دفئها، حدثته
” هل سأراك غداً وأنت تحمل الزهور التي أحبها ؟”
أعرف أنك تكره كلمة الموت وتلك النهايات الحزينة التي تسرق الذكريات والبدايات المدهشة، وتحب النهايات السعيدة.
كل ما تبقى منا صور باهتة. أنا الآن وحيدة، أبني من الرمال الندية الباردة قصور أحلامي الضائعة والأماني المؤجلة حتى أصبحت هرماً.
“كيف نسيت حبي وصارت وعودك واهية مراوغة؟”
اختفى صوته في ضجيج الموج وتلاشت صورته في غمامة راحلة. أجلس هنا وحدي أنتظر من يأتي ولا يأتي، وتمثالي الرملي يقاوم هجمات الموج الماكرة، وأنت هناك في نقطة بعيدة رمادية سرابية تعانق الأفق تلوح لي: ” اقتربي.. أنقذيني من الغرق”
تلاشى السراب مع أمنياتي المجهضة. قلت للبحر بعد شهيقي وزفيري المحترق
“هل تتذكر يا بحر جنوني وعنفوان ضمته التي أذوب فيها ؟ كنت شاهداً وشاركتني شغفي… هل سمعته حين قال لي: لا أقوى على فراقك.. لا تتركيني.. ضميني تنفى سوياً؟”
بكيت وقلبي يرتجف. تساقطت دموع المطر وهي تودع السحب، وترحل الغيوم في رحلتها الأخيرة. لم أعد أنظر في صفحة بحيرتنا المقدسة لأرى صورتك وصورتي. تهاجمني الهواجس ألقي بنفسي في الماء الساكن.. تنبت على شطآن جروحي زهور النرجس الخالدة.
2026-05-09