أوراق من رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون للكاتبة المغربية ماجدة غرابو [روح كارمن CARMEN …والمرأة الحرة]
ماجدة غرابو
8 سبتمبر، 2025
كتب / الكاتبة المغربية ماجد غرابو
استيقظت بعد أن سمعت صوتا يناديني وكأنه آت من عمق بعيد، وجدت نفسي وراء أكشاك “الفيريا” أو معرض الكتاب بإسبانيا تحت شجرة وارفة، أفترش العشب وأتلحف السماء واتخذت الغاب منزلا دون القصور كما تغنت بذلك فيروز؛ وكما عبر جبران خليل جبران، تمنيت عمري كله الذي مضى وأنا بموطني أن أفترش العشب يوما بحرية تحت السماء؛ كما يفترشه الرجال البسطاء في بلادي للاستراحة أو النوم أحياناغير آبهين بأحد، كما حلمت دائما بتحقيق أشياء كامرأة؛ هي كفر وإثم كبير وجحود وشرك وإتيان باطل وزندقة وهلاك لي إن فكرت بإتيانها، كالاستلقاء ليلا على العشب متأملة في النجوم وملكوت السماء في اتصال مباشر بدون حواجز مع الطبيعة، وكصيد السمك ليلا بصنارتي!!! قرب واد أو على صخرة وسط البحر كما ألمح الصيادين وأغبطهم على شاطئ “مرقلة” بطنجة أو على جنبي وادي “تاهدارت” في الطريق إلى مدينة أصيلا، أو المشي ليلا في أي ساعة شئت لوحدي وقدماي تداعبهما أمواج البحر. آه..أحلم كفرا كعادتي.
نمت نوما عميقا، في انتظار المستقبلين لي إنهاء عملهم وبيعهم للكتب، لتعبي الشديد وسهري لليلتين استعدادا لسفري؛ الذي حصلت فيه على التأشيرة بسويعات فقط قبيل ركوبي الطائرة نحو إسبانيا، تمددت على العشب في حديقة “بوين ريتيرو” Buen Retiro”على جنبي، لم أتجرأ فعل ذلك على ظهري رغم حريتي هناك ولا من ينتبه لوجودي أصلا إلا أنها أغلال تكبلني، كنت خلف أكشاك المعرض بمدريد كالطفلة فرحة بحريتي إتيان ذلك، ومنظر السماء الزرقاء الصافية فوقي وأنا جد مستمتعة، لأستفيق على صوت المنادي، فتحت عيني المتعبتين لا أفقه شيئا عن مكان تواجدي، وبعد أن لمحت امرأة ورجلا يتبادلان القبل بكل حرية أمامي وليس على شاشة التلفاز؛ أدركت أنني لست في بلدي وتذكرت حينها أنني في عاصمة دولة أوروبية. وقفت بسرعة رغم تعبي الشديد محاولة إشاحة وجهي عنهما خجلة من الرجل ابن بلدي، الذي أيقضني، والإلتهاء بحذائي الذي وضعته بجانبي وأوراق سفري قبل النوم غير خائفة من السرقة، ربما بسبب بشرتهم البيضاء التي تكرس فكرة جنس الصفاء والنقاء، وكأنني بالجنة والملائكة هم من حولي. وحمدت الله أنني ساعتها لست برفقة أبنائي في هذا السفر، وإلا فإنا سنحرج جميعا بمشاهدتنا لهكذا مناظر مع بعضنا البعض ،فهي ليست تربيتنا في بلداننا العربية المغلفة بالحياء. أوصلني السيد المغربي مشكورا إلى الشقة حيث سأقيم، بسيارته التي يشتغل عليها، لم أتوقع نهائيا وجود مثلها بأوروبا. فصعدت إلى الدور الأول لوحدي بعد أن أخبرني برقم الشقة، لتفتح لي روح كارمن Carmen الباب، فوجدت أمامي طاولة عليها أشياء مختلفة كإبريق وبعض الكؤوس الفارغة وبعض التماثيل ومنبه وأربعة كراسي، وعدة أشياء أخرى عادية كما عندنا في بيوتنا، لا شيء غريب عما لدينا، رغم أن البيت في قلب مدريد الأوروبية حيث توجد بساحتها ساعة الصفر.
2025-09-08