أوراق من ( وعي وثقافة) للكاتبة والمؤرخة المصرية الدكتورة منال إمام (الكلمة الطيبة.. قيمة صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا.
د. منال إمام
5 ساعات مضت
بقلم / د. منال إمام
في عالم تتسارع فيه الحياة، وتزداد فيه الضغوط، وتصبح فيه الأحكام أسرع من الفهم، تظل الكلمة الطيبة واحدة من أبسط الوسائل التي نملكها لنمنح الآخرين شعورًا بالاحترام والأمان. فقد تمر بعض الكلمات عابرة على ألسنتنا، لكنها تظل عالقة في ذاكرة من يسمعها، تمنحه أملًا أو تترك في نفسه جرحًا قد يستمر طويلًا.
الكلمة الطيبة ليست مجرد مجاملة، بل سلوك يعكس احترام الإنسان للآخرين وتقديره لمشاعرهم، وهي لا تعني أن نتفق مع الجميع أو نتجنب النقد، وإنما أن نقول الحقيقة دون قسوة، ونختلف دون إهانة، ونصحح الأخطاء دون أن ننتقص من كرامة أصحابها.
في الأسرة، قد تمنح كلمة تشجيع طفلًا الثقة بنفسه، ويخفف حوار هادئ خلافًا بين الزوجين، بينما قد تترك السخرية والمقارنة والكلمات الجارحة آثارًا يصعب تجاوزها. فالأسرة المتماسكة ليست التي تخلو من الخلاف، بل التي تعرف كيف تختلف دون أن تفقد الاحترام.
وفي بيئة العمل، لا تقل الكلمة الطيبة أهمية عن الخبرة والكفاءة، فالتقدير يعزز الثقة، والنقد المهني يساعد على التطور، أما الإهانة والتقليل من الجهد فيدفعان إلى الخوف والصمت. فالقيادة الناجحة تجمع بين الحزم والاحترام، وتدرك أن صون كرامة الإنسان لا يتعارض مع محاسبته على أخطائه.
أما المدرسة، فهي المكان الذي يتعلم فيه الأبناء، إلى جانب المعرفة، كيف يحترمون أنفسهم والآخرين. فكلمة تشجيع من معلم قد تفتح أمام طالب باب الثقة والمحاولة، بينما قد تدفعه السخرية إلى الانسحاب والخوف من المشاركة. لذلك، فإن تعليم أدب الحوار لا يقل أهمية عن تعليم الدروس والمعلومات.
وتزداد أهمية الكلمة الطيبة في زمن الاستقطاب وسرعة الأحكام، خاصة مع انتشار التعليقات الحادة والإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فكثيرًا ما يتحول الاختلاف من مناقشة الأفكار إلى مهاجمة الأشخاص والتشكيك في نواياهم، فيصبح الهدف هو الانتصار على الآخر، لا فهمه. وهنا نخسر قيمة الحوار وقدرتنا على الاستفادة من تنوع الآراء والخبرات.
إن احترام الحوار لا يعني التنازل عن القناعات أو السكوت عن الأخطاء، بل يعني الدفاع عن الرأي بالحجة، وانتقاد السلوك دون إهانة صاحبه، وإدراك أن قوة الموقف لا تُقاس بارتفاع الصوت أو قسوة العبارة، وإنما بوضوح الفكرة واحترام الإنسان.
ويمكن أن تبدأ ثقافة الكلمة الطيبة من ممارسات بسيطة: أن نستمع قبل أن نحكم، ونشكر من يستحق التقدير، ونعتذر حين نخطئ، ونختار كلماتنا وقت الغضب. كما ينبغي ألا نفهم اللطف باعتباره ضعفًا، فاحترام الآخرين لا يمنعنا من وضع حدود واضحة أو الدفاع عن حقوقنا بحزم.
إن بناء مجتمع أكثر احترامًا لا يبدأ من المؤسسات والقوانين وحدها، بل يبدأ أيضًا من كلماتنا اليومية داخل البيت والمدرسة ومكان العمل، وفي كل مساحة تجمعنا بالآخرين، قد لا نملك تغيير ظروف الحياة كلها، لكننا نستطيع ألا نضيف إلى أعباء الناس جرحًا جديدًا، وأن نجعل كلماتنا وسيلة للتشجيع والإنصاف والإصلاح.
في النهاية، قد لا تغير الكلمة الطيبة العالم كله، لكنها تستطيع أن تغير يوم إنسان، وتحفظ علاقة، وتعيد الثقة إلى قلب أنهكه الإحباط. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما يحتاج إلى كلمات أكثر وعيًا ورحمة واحترامًا.
فلنجعل كلماتنا جسرًا للتواصل لا جدارًا للفصل، وأداة للإصلاح لا وسيلة للإيذاء، فربما كانت كلمة طيبة نقولها اليوم أثرًا جميلًا يبقى في حياة إنسان سنوات طويلة.
2026-10-27