بقلم : * هدى عيد
نسيمُ غزّة…
كانت المهمة هي التي تدفعُ بنا من موضع إلى آخر … المحطةُ الآن في غزة إبّان المجزرة الأخيرة… دخلناها وقد غرقتْ في دامس الظّلام … أصواتُ النساء والأطفال بدتْ كنغمٍ لا يريد الانقطاع، خافتٌ لكنما عنيد…أنوارُ الدّماء تكاد لا تغادر ناظريّ منذ لحظة الوصول، متنوعة : من كلّ لون وصنف ورائحة… تنشرُ إضاءةً مخيفة في كلّ زوايا السماء. أمضي الليلَ مرعباً مذ وطأتْ أقدامُنا الأرض الصّلبة ، صديقي نسيم يضحكُ من ارتجاجي ويداعبني :
الليلُ يا أمّاه ذئبٌ جائعٌ سفّاح… هل تعرفين أنّ درويش قال ذلك ؟ لا تعرفين؟ عيب والله.
النّهارات نحوّلها، أنا وسائر المتطوعين، إلى مباراةٍ مستديمة للجري، نقفزُ بين الحجارة المتهدّمة، بين بقايا البيوت والأثاث وأشلاء البشر، نحاول البحثَ عن أحياء، نرفعُ الركامَ تلو الركام عسانا نرى وجها يستطيعُ فتحَ عينيه بعدُ.
في غزّة تأكدَ لي أنّ الإنسان يمكنُ له أن يكونَ ملاكاً كمثلِنا ، نحن المتطوعين،أو أن يكون شيطاناً كمثلهم، أؤلئك الذين يستطعمون مَذاق الدماء، ونهشَ اللحوم… الغريب هذه المرة أني كلما أغلقتُ عينيّ ليلا، حين آوي إلى خيمتي الصغيرة ، عسى تختفي تلك الأنوار المشعّة ، ارتدّ الانفجارات إلى داخل رأسي مستحيلةً ألافاً من الشموع المتقدة. في هذا المكان عرفتُ أن الألم يمكن له أن يكونَ وحشاً ضاريا يفتكُ بالأحشاء، وأنه ليس من الضروري دائما أن تحملَ سكيناً لتذيق الآخر طعمَه. حسبكَ أن تنظر طفلاً يتيما فقَدَ أمّه للتو، أو طفلةً صغيرةً على ثوبها الممزّق بعضٌ من دماء أخوتها، حتّى يعوي الألم في داخلك.
والعجيب العجيب أنهم كانوا يعدوننا طوال الوقت بوصول الإمدادات، ويطلبون منا مزيدا من الصبر، ومزيدا من التضحيات… كأننا نملك الخيار حين ينعدمُ الخيار! قيلَ لنا الكثير عن صرخات الشّعوب العربيّة التي تقف إلى جوار من يعانون أمامنا ، وعن التّبرعات الكثيرة التي سيحصلون عليها، إذا أحسنّوا الصّمود والموتَ بشجاعة الرّجال، لكنّ كلّ هذه الأخبار البعيدة لم تستطعْ أن تغسلَ آثار الدّماء عن التراب، ولا أن تعيد إلى وجوههم الصّارخة رنين الضحكات.
في غزة نسينا أعمارنا عند أعتاب الدّمار، نكبر في مثل هذه الأماكن فجأةً، ولربما رحتُ ألمح في الغبش شعراً أبيض يتدلّى على جبين صديقي نسيم، هل لمحته حقّاً ؟ أم كان غباراً نوويا تراكم على فروة رأسه ؟ اختلط عليّ الأمرفقط حينما استشهد، لم أفكر فيه بدقة قبل ذلك الحين !
حين دوّى الانفجار، تناثرَ جسده فتاتاً أحمر، لم يعثروا على الرّأس حتّى أتمكّن من معرفة حقيقة ذاك البياض على الجبين … في غزة كان كلّ شئ مختلفاً ، تماماً مثلما كان يوماً في بغداد … ومثلما كان في قانا لبنان..
منذ يومين يطلبون مّنا الاستعداد للرحيل إلى مكان جديد، سيجري تحديده لاحقاً، لا نجادل كثيراً ، طبيعة المهمة تقتضي منّا ذلك ، كلّ الأماكن متشابهة ، والموتُ واحد مهما تعددت وجوهه و الأسماء …
الجديد الغريب هذه المرّة أنّ نسيم لن يكون إلى جواري، ليحارب الموتَ بضحكة ٍ فاتنة كانت تتقن دائماً إدهاش الحياة المطعونة بشراسة ذئبٍ في تلك الأنحاء …
* كاتبة وشاعرة لبنانية
الرباط نيوز
