لقد أماط وباء كورونا اللثام
امين بيقش
11 مايو، 2020
بقلم : امين بيقش.
إستهل عام 2020 ببارقة أمل تحمل صورة تغيير و نمط تقدُّم تحظى به الإنسانية على الصعيد الداخلي بخلق صورة تنموية تليق استحسانا بالطبقة الهشة و العاملة من أجل لقمة عيشها و من أجل النهوض بقواعد ترسم دلالة لمعاني أهمها المبادئ و القيم لعل هذه المفاهيم تستشفي غليل سوابق الماضي و أكناف عقول المعاناة البائدة.
بصورة أرقام و لغة محللين و آراء لمعظم المؤرخين و لما لا متنبئي المستقبل و قارئي حذافره أبدعوا في إلقاء ما هو أهم و بحضن العقل البشري فهو الكفيل بتطور سليم و مستقبل مشرق بنظريات تتزن مع واقعية الأشياء و تزيل أهواء قوم بلغوا معشارا من الأنا استنزافا لشعوب ناضلت و بمرارة لأحقيتها في سبل العيش بهناء و رخاء.
سؤال على مرأى من التاريخ هل أفسح القرن الحادي و العشرين الطريق للتوجه بتفاؤل نحو القدرة على الإنجاز؟ ربما يستهوي عقل القارئ إنجاز ماذا؟ إنجاز إطار بنيوي واعي على الإنتاج و التحرك بدينامية تكشف قوى التكوين .إنجاز يوجب استثمارات تحمل إبداعات فكرية مواطنة و بصمة شخصية أم مازالت العجلة تدور في سيرورة التبعيات التي أودت بعراقيل زَلَّت بالطريق اللامرئي و أصغت مآسي و آلام تُلبَس ثوب الليل الحالك أو التَّناسي و تُلاقي النهار بمظهرية الإعلام المُتمِّم للمهمة و فبركة المواد لأجل واجهة بريئة و وازنة.
في حدة قوة الإقتصاد أمام الصورة السياسية لتداعيات أي دولة إذ هو العلم المشترك الذي يبني محصلة النتائج ذو المصالح المؤثرة على النظام و سيرورة حياة المجتمع بمختلف طبقاته،فبعد أزمة 2008 الخانقة تداعيات فيروس كورونا أودت بعالم يتسابق بأقطابه لمعرفة الرائد الأول و الفاعل المالي المتحكم بقوى الإقتصاد و المشرِّع المُرتِّب لشرائح السياسة.
لا ننسى أن الغرب كان يبرر غزاواته بإرادته للنهوض بالشعوب المتخلفة رافعا شعار “عبء الرجل الأبيض”الذي يلزمه بمساعدة الدول المعدومة فكان كل فائض القوة تعمل الدولة على إنتاجه يُصدَّر للخارج على شكل الإستغلال في إنعكاس تام و مغاير نرى المد الأسيوي الزاحف و الذي كان نموذجا صاعدا في خفاء جهوده و تبني الصدق مع تاريخه و النهوض بنكسة استوجبت حتمية الدولة في دورها كإطار فاعل ينهض بالكائن البشري و متحكما فعّالا بين القطاع العام و القطاع الخاص المُكمِّل و مجتذبا مستمر للإستثمارات بكل القطاعات الخداماتية الجالبة النفع و الإفادة.
بأي صورة و أي منطق يعطي تحليلا شافيا لهذه القوى التي صنعت كل السُّبل لمواطنيها و إن كان الكمال مستبعدا في الإحصائيات و النِّسب غير أن التاريخ يحكي تداعياته مبيِّناِّ صور الماضي و في الحاضر تختلف الصورة بأبجديتها، تفاؤلا بشمس الصباح المشرقة غير أن القدر لن يقف وقفته بإستمرار في تداعيات إجهاض استحقاقات حاسمة و لا مفر منها يوما في ظل هبة القدر و صدفة كورونا الشبح الذي أظهر نواميس الخفاء و تبصر العواقب، في ظل قولة القائل.” ليس أي إنسانا يمتلك محفظة نقود و حسابا جاريا يمكنه إيهام الناس بثرائه عن طريق مظاهر الترف”.
لقد أماط وباء كورونا اللثام، وبشكل جلي عن محدودية التقدم المادي الذي وصلت إليه الإنسانية، فضلا عن زيف إيديولوجية العولمة وتهاوي مقولاتها وتلاشي وعودها، كما عرّى تركيبة النيوليبرالية الاقتصادية وكشف حقيقتها التي انتصرت لمفهوم الربح كمعيار وحيد للتقدم، وكرست الاستهلاك المادي كثقافة عالمية على حساب الإنسان وقيمه الثقافية والروحية. لقد أصبحنا اليوم نلمس حجم المفارقات الكبير داخل دينامية العولمة، وهي التي جعلت من التقدم التكنولوجي أداة لخدمة الربح المادي عبر تشجيع ثقافة الاستهلاك وحصر دور الفرد في الاستهلاك، في غياب تام للجانب القيمي والثقافي كإحدى الضروريات السوسيولوجية التي لا غنى عنها في مسار الشعوب والعالم، ولعل هذا ما نبهت إليه مدرسة فرانكفورت خلال بداية القرن العشرين، خاصة هربرت ماركيوز في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد ” ، والذي انتقد بشدة مفاهيم الحداثة المادية و العقلانية الأداتية نظرا لافتقادها الروح الأخلاقية.
إن العولمة كنظام سائد لم تساعد إلا على تآكل الرصيد المعنوي الذي كان مؤسسا لفلسفة الأنوار والفكر الليبرالي عبر تزكيتها للاستراتيجيات الاحتكارية وتعزيزها لمبدأ حكم الأقلية التي تستحوذ على الرأسمال الاقتصادي، الأمر الذي عمق من أزمة الديمقراطيات الغربية ووسّع رقعة الاحتجاجات المنددة بالنيوليبرالية كنظام اقتصادي مجحف، وهنا تحضرنا موجة السترات الصفراء على سبيل المثال لا الحصر. يبدو العالم اليوم في زمن كورونا متخلفا وإن بأشكال مموهّة، فبعض الدول الأكثر تقدما وتصنيعا باتت عاجزة عن توفير الكمامات لشعوبها، فكيف يعقل ذلك؟ ناهيك عن عودة بعض الدول لأساليب القرصنة والسّلب غير المشروع وغير الأخلاقي كما حدث لشحنات مواد التعقيم والتجهيزات الطبية. كل هذا الأمر يحدث في زمن الاقتصاد المعولم والتقدم التكنولوجي.
” لقد أظهر وباء كورونا العالم المعاصر على حقيقته، وكشف حجم الإفلاس المعنوي لمشروع العولمة الذي فشل في تطويق هذا الوباء، بل فشل حتى في حفظ ماء وجهه.”
لعل الإسقاطات الكلاسيكية تآكلت عليها دروب الزمن بتزييف أوضاع تخلو بمظاهر نمطية رهين بصب الزيت على النار أما التباهي بصورة مرموقة في خضم كُنهِها تضليل متذبذب ليس أداة لتهدئة شرارة قوم بجدار أو تأمين تحت يد متسلط جاهل ينقضُّ بنزوته الباغية مُبدِياً قوته التي لا تستوعب ردة فعل قاتلة أو أرقام ستحذو حذوها للبقاء ساطعة كشمس الخريف المقلقة أو ريح عاتية تصد الإتجاهات بِحَيْرة لا قدرة لعرّافِّه إلى تكهُّن سُمِّ عصفها ما حجم قوة فصائل بتبعية تتشكل لا سبيل لِبراءة ذمتها يوم تنكشف الأوراق فتزل أقدام بعد ثبوتها و ترد أيمان كانت بتوالي الأيام منحازة لديمومة المصالح؟أين ببغوات الأيادي و الشفاه أم هي طوائف تلقى بعد الشر آثامها؟
بناء على ماسبق،أفق بعد كورونا هل يتوارى في صدق قراءة المعطيات و بناء هيكلة لشركات مُواطِنة ترنو إلى إستقطاب كفاءات فاعلة تعمل لتنمية نموذجية و بهندسة كل الرؤى الفاعلية إقتصاديا كانت أو سياسية متبنية كل التراكمات المُشَكِّلة للصورة الواقعية بإختلاف القراءة مجحفة الجهد و الكاسرة لنمط الإبداع فلابد من خلق تقنيات تُسقِط أفكار بنيوية تُجابه كل المشاكل و التحديات بدقة التصورات الكفوءة الناتجة عن قرارات جامعة و رافدة لدور النمو و التنمية أم يبقى كلام بتلاقي الحروف مختفيا بسواد أرقام تضرب العقول بأهوالها اللامعدودة و بعِلل ترسم الواقع بمختلف أشكاله مهترئة كانت أم جاسِمة؟
2020-05-11