محمد لمين ولينا ماءالعينين يكتب : صدق بنكيران “بوعشرين قبل المحنة ليس هو بوعشرين بعد المحنة”
ذ. محمد لمين ولينا ماءالعينين
ساعة واحدة مضت
بقلم /الأستاذ محمد لمين ولينا ماءالعينين
من حق الصحافة المحلية أن تحتفي بأي خطوة من شأنها أن تنهي معاناة آلاف المغاربة المقيمين في إسبانيا، ومن الطبيعي أن يُنظر إلى تسوية أوضاع عشرات الآلاف منهم باعتبارها خبراً إيجابياً وإنجازاً إنسانياً وقانونياً. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح، وبكل هدوء، هو: هل تنطبق القاعدة نفسها عندما يتعلق الأمر بالصحراويين؟
في تناول موضوع تسوية وضعية نحو 150 ألف مغربي في إسبانيا، ذهب الصحفي بوعشرين إلى وصف العملية بأنها مسألة إيجابية من شأنها تحسين وضع الكثير من المغاربة وتمكينهم، فيما بعد، من الاستفادة من عدد من الحقوق المدنية والسياسية. ولم يكتف بذلك، بل دخل في نقاش دلالي حول مصطلحي «الهجرة الشرعية» و«الهجرة النظامية»، معتبراً أن وصف «الهجرة غير النظامية» هو الأدق، كما تناول الموضوع من زاوية ما يمكن أن تستفيده إسبانيا من هذه التسوية.
كل ذلك نقاش مشروع. فمن حق أي صحفي أن يسأل: ماذا ستستفيد إسبانيا؟ وما الدوافع الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية وراء القرار؟ وما انعكاساته على البلدين؟ بل إن من صميم العمل الصحفي البحث في خلفيات القرارات وتداعياتها، ما دام ذلك يتم بالاستناد إلى المعطيات والأدلة.
لكن المفارقة تبدأ عندما ننتقل من الحديث عن تسوية أوضاع المغاربة إلى الحديث عن إمكانية حصول صحراويين على الجنسية الإسبانية. فما كان في الحالة الأولى تسوية قانونية جميلة، يصبح في الحالة الثانية خطراً يتهدد المغرب. بل يصل الخطاب إلى القول إن تجنيس نحو 150 ألف صحراوي قد يشكل خطراً لأن «أغلبهم انفصاليون»، حسب بوعشرين دائماً.
وهنا لا بد من التوقف عند السؤال الأهم: من أين جاءت إحصائية أن أغلب هؤلاء انفصاليون؟ ما مصدرها؟ هل توجد دراسة أو إحصائية رسمية أو بحث أكاديمي موثق يثبت أن أغلبية الأشخاص الذين يمكن أن تشملهم العملية يحملون هذا التوجه السياسي؟ وإذا لم تكن هناك مثل هذه المعطيات، فإن إطلاق هذا الحكم لا يعود تحليلاً إحصائياً، وإنما يتحول إلى وصم سياسي مسبق لمجموعة بشرية كاملة.
والأكثر إثارة للتساؤل هو أن الجنسية الإسبانية، عندما يحصل عليها مغربي، تُقدَّم باعتبارها نتيجة طبيعية لتسوية وضعية أشخاص لهم حقوق ومصالح وحياة أسرية ومهنية، بينما عندما يتعلق الأمر بصحراويين، تصبح الجنسية نفسها وكأنها مشروع سياسي أو مؤامرة جيوسياسية.
فهل الجنسية تتغير طبيعتها القانونية بتغير هوية الشخص الذي يحصل عليها؟
الجنسية الإسبانية في الحالتين هي جنسية إسبانية، والجهة التي تمنحها هي الدولة الإسبانية، والشخص الذي يحصل عليها يستفيد من حقوق تترتب عن القانون الإسباني. وإذا كان الاعتراض على القانون أو على شروط منح الجنسية، فهذا نقاش قانوني مشروع يمكن مناقشته بالأدلة والنصوص والوقائع. أما إذا كان الاعتراض قائماً أساساً على أن المستفيدين صحراويون، وأن حصولهم على الجنسية قد يمنحهم مجالاً أوسع للتعبير عن مواقف سياسية معينة، فنحن أمام منطق مختلف تماماً.
ثم هناك مسألة أخرى تستحق التأمل. عندما يتم الحديث عن تسوية أوضاع المغاربة، يتم النظر إلى الموضوع أيضاً من زاوية ما ستستفيده إسبانيا اقتصادياً واجتماعياً وديموغرافياً، وهذا تحليل مشروع. لكن لماذا لا يُستخدم المنطق نفسه عند تحليل ملف الصحراويين؟ لماذا لا يُطرح السؤال: ماذا ستستفيد إسبانيا من منح الجنسية؟ وما الاعتبارات القانونية والتاريخية والسياسية التي تقف وراء ذلك؟ بدلاً من ذلك، يتم الانتقال سريعاً إلى قاموس الخطر والانفصال والمؤامرة.
بل إن محاولة ربط المسألة بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، حسب هذا الطرح، تضيف طبقة أخرى من التفسير السياسي الذي يحتاج بدوره إلى أدلة، لا إلى مجرد التزامن الزمني. فوجود زيارة أو لقاء سياسي في توقيت معين لا يكفي، بمفرده، لإثبات أن قراراً قانونياً يتعلق بالجنسية هو نتيجة مباشرة لذلك اللقاء. التزامن ليس دليلاً على السببية.
وهنا تحديداً ينبغي للصحافة أن تكون أكثر حذراً، لأنها حين تنتقل من نقل الخبر إلى تفسير خلفياته، تصبح مطالبة بتقديم الأدلة التي تسمح للقارئ بالتمييز بين المعلومة والتحليل والاستنتاج.
المفارقة الحقيقية ليست في أن نعارض تسوية أوضاع المغاربة. على العكس، من حق المغاربة المقيمين في إسبانيا أن تُسوّى أوضاعهم وفق القانون، ومن حق الصحافة أن تحتفي بذلك إذا كانت تراه مكسباً لهم. لكن المبدأ نفسه ينبغي أن يُطبق على الجميع. فالحقوق القانونية لا ينبغي أن تصبح جميلة عندما يستفيد منها شخص، ومخيفة عندما يستفيد منها شخص آخر بسبب هويته.
إذا كان الحصول على الجنسية الإسبانية حقاً قانونياً متاحاً وفق شروط معينة، فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يكون حول تلك الشروط، وحول الأساس القانوني والتاريخي للعملية، وليس حول تخمينات غير موثقة عن المواقف السياسية لغالبية المستفيدين.
ثم إن امتلاك جواز سفر إسباني لا يمحو تلقائياً الهوية الثقافية أو الاجتماعية للشخص، كما أن امتلاك الجنسية المغربية لا يمنع شخصاً من أن تكون له جنسية أخرى أو آراء سياسية مختلفة. الجنسية وضع قانوني، أما الهوية والانتماء والموقف السياسي فمسائل أكثر تعقيداً من أن تختزل في وثيقة سفر.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى هذا الخطاب الإعلامي ليس: لماذا يحصل الصحراويون على الجنسية الإسبانية؟ بل: لماذا نفرح عندما تُسوّى أوضاع المغاربة في إسبانيا، ثم نخشى عندما يستفيد الصحراويون من حق قانوني مشابه؟
إذا كان المعيار هو القانون، فلنحتكم إلى القانون. وإذا كان المعيار هو حقوق الإنسان، فلنطبقها على الجميع. وإذا كان المعيار هو المصلحة الوطنية، فلنناقشها بالأرقام والوثائق والمعطيات، لا بالافتراضات والتعميمات.
أما أن تكون تسوية أوضاع المغاربة «مسألة جميلة»، ثم يتحول حصول الصحراويين على الجنسية إلى «خطر» بناءً على افتراض أن أغلبهم انفصاليون، فهذه ازدواجية في الخطاب تستحق أن تُناقش، لا أن تمر باعتبارها أمراً بديهياً.
فالصحافة التي تطالب بحقوق مواطنيها في الخارج ينبغي أن تكون أكثر حرصاً على اتساق خطابها عندما يتعلق الأمر بحقوق الآخرين. وفي النهاية، لا ينبغي أن نخاف من الوثيقة القانونية بقدر ما ينبغي أن نخاف من المعلومة غير الموثقة، ومن التعميم، ومن تحويل الهوية إلى تهمة، ومن تحويل الاحتمال إلى حقيقة.
لأن القضية، في جوهرها، ليست من يحمل جواز السفر الإسباني، وإنما سؤال أبسط وأعمق: هل نؤمن فعلاً بأن الحقوق تُقاس بالقانون، أم أننا نقيسها أحياناً بهوية من يحصل عليها؟
2026-09-11