أوراق من وعي وثقافة للكاتبة والمؤرخة المصرية الاستاذة منال إمام [التذوّق الجمالي ضرورة إنسانية لا ترف نخبوي]
د. منال إمام
يوم واحد مضت
بقلم / د. منال إمام
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنولوجية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التذوّق الجمالي رفاهيةً تقتصر على الفنانين أو المثقفين، ولا ترفًا يُمارسه أصحاب الذوق الرفيع في قاعات الفن والمتاحف، بل أصبح ضرورة إنسانية وتربوية تمسّ جودة الحياة نفسها. فالجمال ليس زينةً للحياة، وإنما أحد مقوماتها الأساسية، لأنه يغذّي الروح، ويرتقي بالوجدان، ويهذب السلوك، ويمنح الإنسان القدرة على رؤية العالم بعين أكثر اتزانًا ووعيًا.
لقد أعادت الثورة الرقمية تشكيل مفهوم الجمال ووسائل التعبير عنه. فبعد أن كان الفن يرتبط بلوحة أو قصيدة أو مقطوعة موسيقية، أصبح الإنسان محاطًا كل لحظة بسيلٍ لا ينقطع من الصور والمقاطع والأصوات والمنصات الرقمية التي تصنع أذواقًا جديدة، وتفرض معايير متباينة للجمال والقيمة. وفي خضم هذا التدفق الهائل للمحتوى، يجد الإنسان نفسه أمام تحدٍ حقيقي: كيف يحافظ على هويته الجمالية المستمدة من ثقافته وتراثه، وفي الوقت نفسه ينفتح بوعي على التجارب الإنسانية المعاصرة دون أن يفقد بوصلته أو يقع أسيرًا لسطحية الصورة وسرعة الاستهلاك؟
ومن هنا تتضح أهمية تنمية التذوق الجمالي بوصفه قدرة على التمييز، لا مجرد ميل إلى الإعجاب. فهو الذي يمكّن الإنسان من التفريق بين الجمال الأصيل والجمال المصطنع، وبين الإبداع الحقيقي والابتذال، وبين الفن الذي يسمو بالإنسان، والمحتوى الذي يستهلك حواسه ويستنزف وجدانه. إن التذوق الجمالي ليس ترفًا ثقافيًا، بل حصانة فكرية ووجدانية تحمي الذوق العام من التشويه، وتسهم في بناء شخصية متوازنة تمتلك حسًا نقديًا وقدرة على الاختيار الواعي.
غير أن الواقع يكشف عن تحديات عميقة تعوق تكوين هذا الحس الجمالي، وتعمل على تراجع الحساسية تجاه الجمال، ويُحرم الطفل من إحدى أهم وسائل بناء شخصيته المتكاملة.
فالمدينة الحديثة، في كثير من الأحيان، أصبحت بيئة طاردة للجمال، عمرانٌ عشوائي، ولافتات متزاحمة، وضوضاء بصرية وسمعية لا تكاد تنقطع، ومساحات خضراء تتراجع أمام الإسمنت. وإلى جانب ذلك، تنتشر أنماط من المحتوى الفني والإعلامي تقوم على الإثارة السريعة والضجيج أكثر مما تقوم على القيمة والإبداع، فتغدو بعض الأعمال مجرد إيقاعات صاخبة وكلمات هابطة، تفتقر إلى العمق والجمال، وتسهم في إضعاف الذوق العام بدل الارتقاء به. وهكذا يتحول التلوث البصري والسمعي إلى أحد أخطر أشكال التلوث الثقافي، لأنه لا يفسد البيئة فحسب، بل يفسد الحس الإنساني نفسه.
والحقيقة أن التربية الجمالية تبدأ من أبسط التفاصيل اليومية، من تعليم الطفل أن يتأمل زهرة، ويستمع إلى موسيقى راقية، ويقرأ قصيدة جميلة، ويلاحظ تناسق الألوان في الطبيعة، ويحافظ على نظافة المكان الذي يعيش فيه. فالحواس هي البوابة الأولى للجمال، وكلما أُحسن تدريبها، ازدادت قدرة الإنسان على إدراك المعنى الكامن خلف الأشكال، وعلى اكتشاف الجمال في تفاصيل الحياة الصغيرة قبل مظاهرها الكبيرة.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون الجمال رفيق الإنسان منذ فجر التاريخ. فمنذ أن رسم الإنسان الأول الحيوانات على جدران الكهوف، ورقص حول النار، ونقش الزخارف على أدواته، وصنع الحلي وزين بها جسده، كان يعلن أن حاجته إلى الجمال لا تقل أهمية عن حاجته إلى الطعام والمأوى. فالنزوع إلى الجمال غريزة إنسانية أصيلة، ووسيلة للتعبير عن الذات، وجسر للتواصل مع الآخرين، ولغة عالمية تتجاوز اختلاف الثقافات والأزمنة.
غير أن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن منظومة القيم. فالقيم الجمالية والقيم الأخلاقية وجهان لحضارة واحدة، فحين يعتاد الإنسان النظام، والنظافة، والاحترام، والإتقان، فإنه يمارس الجمال في أسمى صوره. أما حين تنتشر الفوضى في الفكر والسلوك والعمران والإعلام، فإن القبح لا يصبح مجرد مشهد عابر، بل يتحول إلى ثقافة تؤثر في الوعي الجمعي وتعيد تشكيل معايير الذوق والأخلاق معًا.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى مشروع ثقافي متكامل يعيد الاعتبار للتذوق الجمالي بوصفه أحد مقومات بناء الإنسان. مشروع يبدأ من الأسرة، ويتعزز في المدرسة، وتدعمه الجامعة، وتسانده المؤسسات الثقافية والإعلامية، وتستثمر فيه الفنون التقليدية والرقمية على السواء. فبناء الذوق العام ليس مسؤولية الفنان وحده، ولا مهمة المؤسسة التعليمية وحدها، بل هو مسؤولية مجتمع بأكمله يؤمن بأن الجمال قيمة حضارية، وأن الأمم التي تحسن صناعة الجمال هي الأقدر على صناعة الإنسان.
إن التذوق الجمالي ليس ترفًا نلجأ إليه بعد أن تكتمل ضرورات الحياة، بل هو إحدى هذه الضرورات نفسها. فحين يتسع حضور الجمال في الفكر والفن والتعليم والشارع والإعلام، يصبح الإنسان أكثر رقيًا، والمجتمع أكثر تماسكًا، والوطن أكثر قدرة على حماية هويته الثقافية في مواجهة موجات التشويه والابتذال. فالجمال ليس مجرد ما نراه بأعيننا، بل هو ما نصنعه في عقولنا، ونغرسه في نفوس أبنائنا، ونترجمه إلى سلوكٍ يضفي على الحياة معناها، ويعيد للإنسان إنسانيته.
*كاتبة ومستشار تربوي ومؤرخة مصرية
2026-08-11