قصص من دوامة الاماني للأديبة والكاتبة المصرية سناء شمس الدين [ بابا ]
هيئة التحرير
3 ساعات مضت
كتب/ الاستاذة سناء شمس الدين
كنت على حافة الوقت الأخير أجترح المسافة… كي أعود هناك بلا ذاكرة، لا يوقفني المستقبل للتأمل والتأويل تنساب فوق سطح الماء موجة مصيرها الزوال على شطوط الواقع وبر الأيام المرعبة .. هي محاولة للهروب والتحرك للخلف في آلة الزمن، حين غفوت.
أيقظتني ساعتي البيولوجية في هذا الوقت كالعادة؛ وحين أفتح عيني أبحث عن أبي.. نتناول جميعاً فطورنا الطازج الشهي. تناديني وشوشة البحر، فأسرع إليه وفي يدي كوب الشاي والحليب، ونتبادل تحية الصباح
“صباح الخير يا بحري الحبيب.”
اليوم، أيقظني ضجيج الشارع ونداءات الباعة المزعجة. كل شيء تغير بفعل الزمن إلا صوت بائع الحليب الواهن الذي يجر دراجته جراً. أنظر لدراجتي الصغيرة التي تنام في سبات عميق على جدران شرفتي البحرية، وقد تغيرت ألوانها بفعل رطوبة البحر وأملاحه القاسية؛ تستدرجني لسنوات طفولتي الأولى.
أبي يمسك بيدي الصغيرة في كفه الكبير، أتقافز في سعادة. يمد ذراعه لأعلى ويقطف زهرة النرجس ويعلقها في ضفيرتي الطويلة التي جدلتها أمي وهي تغني لي بصوتها الحبيب. يرفعني لأعلى في أرجوحة ذراعه القوي الأمين يطوف بي في شارع الياسمين والفل.. جنة الله في الأرض
يرفعني أبي على كتفه لأقطف لأختي ثمرة مانجو، ونغني معاً: “معانا” ريال.. معانا ريال”، ولا أريد العودة للمنزل. جلسنا قبالة مبنى المحكمة، أتذوق آيس كريم “جروبي” في تلذذ، بينما ينظر لي أبي وأرى في عينيه سحابة من الأسى والحزن أتحاشى النظر إليه.. لم أعرف حجم هذا الألم إلا عندما كبرت وصار لزاماً علي أن ألبي طلبات أطفالي.
مرت يده الحنونة على رأسي، وأهداني يوماً دراجة خضراء من عمر أفندي”. لم يسعفني الفرح لأقول له كم أحبك يا أبي؛ فالشيء الذي لا يأتي في وقته يفقد معناه أراها الآن ساكنة في ركن الشرفة تشتكي الوحدة والهجران مثلي.
أصبحت الآن مثل شجرة وحيدة في صحراء قاسية، تنحني ولا تنكسر، حتى حين جاء
الامتحان الأكبر ورحل زوجي للأبد. سرت وحدي على طريق التنهدات، أحمل ثلاثة أطفال، كنتُ لهم الأم والأب، وأخفيت ألمي عن الجميع إلا عن أبي.
قال لي وقتها:
” أنتِ مؤمنة وقوية، ستتجاوزين هذه الأزمة وسأكون معك دائماً. “
استمددت صلابتي من نظرته الحانية، وظلت كلماته وقوداً لي. كان يقول:
” أنتِ القريبة إلى قلبي، تشبهينني في صرامتي وتسامحي.. هاتي ما كتبت لأقرأه.”
خجلت وقلت:
” إنها مجرد خواطر يا أبي. “
شجعني بصوته الحبيب
” الكتابة علاج للروح المتعبة.. الشجرة الطيبة تثمر رغم العواصف، وحافظي على نقاء روحك.”
الزمن لا يرحم يا أبي، لقد طال رقادك ووهنت عظامك وحرمتني من دعمك الروحي. جلسنا وطال صمتك، قبلتُ يدك التي لم ترتجف إلا الآن. قلت بصوتك الواهن
“لم أعد أملك إلا الدعاء لك يا حبيبة قلبي. “
قلت والدموع تسبقني:
” يكفيني أن أراك وأسمعك.. خذني في أحضان الأمان يا أبي. “
بكينا دموع الوداع، وكان آخر لقاء بيننا!
لا عز كعزك يا أبي الحياة بدونك غرفة بلا جدران، سفينة بلا أشرعة، وبحر بلا مرفاً. أبتسم لأخفي وجعي وأنا أخوض معركة وجود،ضاعت فيها أحلامي المؤجلة. أنظر الآن لدراجتي، وأمسح عنها صدأ السنين.. وهي لا تبوح ولا تشكي.
2026-06-27