شخصيات مؤثرة للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي [ اليوم عن / الحاج مصطفى الصالحي]
هيئة التحرير
3 ساعات مضت
شخصيات مؤثرة للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي [ اليوم عن / الحاج مصطفى الصالحي]

كتب/ الاستاذ محمد ابراهيم الشقيفي
بصمة خير
في كل حقبة زمنية يظهر لعالم الواقع فارس، مخضرم، فذ شجاع، قد استطاع أن يبحر في حراك رغم تعسف دوامة الحياة. كان قائداً محنك القول في كل مجلس عرفي، طغت حكمته علي غضبه. لقد تمسك بالقول الثابت ملك زمام الأمور رغم شدة الزوابع و الأهوال في أصعب الظروف المحيطة، والمواقف الاجتماعية الصعبة. كان يشار إليه بالبنان، وهو مرفوع الرأس. إنه رجل من خيرة الرجال في هذا الزمان.
لقد جعل دربه ممتلئ بالخير، سلك نهج السلف الصالح في صلاح الأنفس، فطن إلي بواطن الأمور، تتلمذ علي يد شيوخ القبائل، العشائر، ورجال الدين الذين كانت أفعالهم علي شكل طير يغرد بالحب ويمنح العطاء في مدرسة زمن الأدب الراقي. حمل فوق أكتافه المثل العليا، وفى جو صحي خالي من الأشواك استطاع بذكائه أن يزرع المبادئ، غرس المحبة في النفوس، شهد له بحسن الخلق، وحلاوة القول، ونضج الفكر، وبلاغة الحديث ومنطق الكلام، الصالح والطالح القاصي والداني، وخير شاهد ودليل بكاء الأحبة بحرقة وانفطار عليه بعد الرحيل.
يؤتي الحكمة من يشاء فرغم مرارة الأيام وصعوبة التنفس في ازدحام الضيق كان الرجل حكيماً ذو صدر رحب، يمتلك رؤية ثاقبة، خاصة إذا اجتمع الخصوم صار الحاج (مصطفي عبد الموجود عبدالوهاب الصالحي) حديث أهل الصعيد وخاصة بلد المنشأ محافظة بني سويف. كان يدعي بصفة مستمرة إلى المجالس المعرفية، ولجان التحكيم في كل مكان يأخذ برأيه في اغلب المعضلات التي تحتاج إلي عقلية مفكر لا يخضع إلى الاهواء الشخصية، لا يركن نحو جانب ويتجاهل الآخر، لا يتعاطف مع الباطل. دائماً يحتكم بين ذويه إلي كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يقرأ مابين جنبات السطور، حريص علي أن يراعي كافة التقاليد والعادات الاجتماعية والأعراف التي تسود المحافظة والتي نشب في ساحتها النزاع.
وفي نبذة عن سيرته الذاتية لشخصية بصمة الخير هو بلا فخر من مواليد مركز الفشن بتاريخ ١٩٥٧/٥/١٧ حصل علي الشهادة الثانوية الزهرية، ثم كرس حياته لفعل الخيرات وإدخال البهجة والسرور علي شكل دائري يحوي بداخله كل محب، لا يحمل في قلبه مثقال ذرة من شر. من محاسنه بين الدروب
الصداقات الجارية الباقية بعد مماته أولاها :بر أبنائه له بعد وفاته.وثانيهما؛:الحب الباقي المتواصل في نفوس العشائر.
كان له عصاة يتوكأ عليها، وله هيبة يشتق منها كل معاني القوة من غير خوف، والحياء دون ضعف، رغم ظروفه الصحية التي تعكس عدم القدرة بشكل كافي علي الحركة، لكن أفعاله كانت تدل علي عكس المظهر الخارجي. كان أنيقاً رشيقا أفضل حالاً من شباب العشرين من العمر، خاصة إذا دعيا إلى الخير. كان له تأثير قوي بداية من صوته الجهور نهاية إلي حضنه الحنون. دائماً يستشهد أولا: بكلمات الله، ثم يغزل حرير القول يجتذب العقل، ويخالط مشاعر النفس، وكانت له لزمة جميلة تعطر لسانه، يغزو بها القلوب الحائرة، خاصة في مجال العلاقات العامة والخاصة. دائماً يردد ولا تنسوا الفضل بينكم .ما أجمل أن تبقي كلماته الناصحة عالقة في الأذان، ساكنة حي الوجدان، ما أروع أن تذكر أوجه المعروف بنطق لغوي صحيح وقت الشقاق ! وقسوة الخلاف، وبغض النفور من أجل إصلاح ذات البين .
المفردات التي يستشهد بها أهل المشورة وقت الظلمة تحتاج إلى مرجعية لغوية نبحث من خلالها عن المقاصد التى تهدف إليها. تلك الكلمات التي لها إطلالة تجمع من خلال بريقها شتات سحر الليل، ونقاء لون النهار .
صاحب الملامح القويةالتى تصف هذا الرجل أقل ما يجب أن يقال عنه أنه أخلص بعبارات تقود إلى طريق رأس الحكمة فى دروب الظلمات، فارس عند النزال إن دقت طبول الحرب واجراس الخطر، يعى ما يلفظ من قول يهون على الغير عند لحظات الكرب، ولا يهول من جلل الأمر. إنه حكيم بالفطرة فى حطام زمانه أرى أن العبرة ليست بكثرة الجمل ولا طول العبارات، بل الكيف فى بلاغة العمق أبلغ من الكم الذى يصدم الواقع، ويفسد بمرارته الأيام.
إنه الساكن فى الشريان رغم الرحيل المسامح في حق نفسه ،ثماره ببقاء الدهر لها قطوف دانية .
مهما طال الأمد سيرة الرجال على الأرض باهظة الثمن تثقل كاهل الميزان قيمتها تشبه شموخ الوتد، تمنع عنا أهوال الإعصار، وقسوة الحياة، وبطش نيران البركان. من دعواته الجميلة( اللهم اجعلني خفيفا في الحياة وبعد الممات) رحم الله الذين علمونا كيف نواجه المعارك دون هروب بسيف الرحمة تقطع عنق الذنوب.
لقد دفعني للكتابة عن هذه الشخصية النموذجية؛ طاقتها الإنتاجية الخدمية، وافعالها الإيجابية التي تمنح هالة من الأمل، تمحو من علي ظهر المواقف كل سلبية، تجنح إلى السلم. لقد وقف له الرجال على عجل؛ احتراماً لعطر فاح عبقا وليس عبثاً، كان له قبول، وحضور طاغي، ذو بشاشة في الوجه و الهيئة، ثم هيبة فى المجالس. حفر في ذاكرة ذريته وأحفاده كيف يكمن التسامح في جوهر المحاسن والنفس السوية.
غربت شمس اللقاء عنه ودعته الدنيا بعد أداءة صلاة الفريضة في جماعة، رحل عنا الغائب الحاضر، وهو يرتدي لباس الصلاح، ودون إفصاح عن المجالس العرفية التي ترأسها وكان ضمن قائمة التحكيم بها كفاه أنه لم يعبء بالشهرة والمجد، وأنه ظل يعمل في صمت لا يخشي في الحق لومة لائم. عاش بين القوم في هدوء تام، ورحل في سلام. زادنا منطق حديثه عزم وصبر علي البلاء .
لفظ أنفاسه الأخيرة وفي جانبه الأيمن يحمل عريضة صلح وشرط إتفاق لزوال مشاحنة ناتجة عن شجار بين عائلتين. ما أروع وأجمل حسن الخاتمة !
أمثال هؤلاء الصفوة، هم زينة القوم وعليهم. وبكل تأكيد نفخر أننا تحت رعايتهم، نستظل بقولهم المأثور الباقي دون النفور الخالي من أشكال الجحود.
لنا وقفة لا تنتهي مع هذا الرجل الذى عاش ذا رأس مرفوع. يا صاحب الوجه البشوش فى زمن عز فيه الرجال، وغلب عليه طابع المال .
أعود ومعي افكاري العتيقة التى ورثتها الأجيال المتعاقبة من إرث أمثال هذا النموذج المميز الذى لم يترك واجباً إلا جبر فيه خاطر صاحبه . كانت له كلمة جوهرها لامع يشبه حد السيف فى وضح النهار. يملك شفرة الكاريزما الغنية بعزة النفس؛ مما يجعل العالم يعشق سيرته فى همس.
إن الشهادة في رقى أخلاقه من أهله وذويه مجروحة، لكنه مثل البدر زين عنان السماء. كان مضيفا، قدوة فى الشموخ دون تكبر. له فلسفة دون تنطع ولا تكبر..
الكنز الحقيقي الذي تركه هو محبة الآخرين له؛ رزقه الله الحكمة فكان لديه عطاء من فيض الرحمن. يعد الشيخ (مصطفي الصالحي) من صفوة الخاصة بين عموم القبائل ،العشائر، ورجال المواقف. فإن إصلاح ذات البين من سمات أهل الخير الذين هم على بساط أخضر، فاقع اللون، يشبه نسيج من حرير. تلك إشارة طفيفة نحو إتجاه يسير فى دربه القلم، يقص ، يسرد تفاصيل شخصية معتدلة، وسطية، من ادواتها التجارة الرابحة مع الله. عاش بمنطق الرضا، والقول الحسن، والبعد عن مواطن الشبهات. مات ساعياً للخير، متخصصاً في جلب المسرات بفطنته وقت العثرات، أرض خصبة بئرها فيض من رزانة العقل، أبلغ الوصف. أن الناس بمختلف طوائفهم قالت : عنه أنه حكيم بالفطرة من سلف الصالحين.
الحديث عن بصمات الخير دون قطع أنسجة الخيط أمر شاق، مرهق، يطول فيه تفاصيل الشرح.
نحن أمام حالة نضرة إلا أن الموت يأخذ منا دون سابق إنذار كل غالى على القلب، وعزيز على النفس. اننا أمام نموذج مشرف قولاً واحداً، له بصمة واضحة المعالم فى دروب الخير. البسمة مرسومة على وجه هذا الرجل، معتدل القامة ذو الملامح الداكنة اللون، التي يغلب عليها طابع التواضع. إنه من صفوة الطليعة بين رجال جيل لم يعرفوا الغل، و الأحقاد، بل كان شغلهم الشاغل فعل الخير، وإصلاح ذات البين. ترك لنا المودة، والمحبة، والتسامح والسلام، وبصمة، أراها مثل شجرة مثمرة تؤتى أكلها بكل خير وسعادة،لكي تتوارثها الأجيال القادمة.
2026-06-15