أوراق من رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون للكاتبة المغربية ماجدة غرابو[روح كارمن CARMEN …والمرأة الحرة] الجزأ الثاني
ماجدة غرابو
15 سبتمبر، 2025
أوراق من رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون [روح كارمن CARMEN …والمرأة الحرة] الجزأ الثاني
بقلم / الكاتبة المغربية ماجدة غرابو
تقع المائدة في مدخل البيت أمام مطبخ صغير نوعاً ما. استقبلتني روح كارمن وهي إمرأة إسبانية سبعينية، ليس على محياها أية ملامح عربية ولا مساحيق، بل هي شقراء ذات بشرة بيضاء يخالطها صفار، ذات شعر وقامة قصيرين، ليست بدينة بل هي إلى النحافة أميل، لها عينان مستديرتين وأنف دقيق صغير مع أسنان بارزة نوعاً ما. تلبس سروالا قصيراً وقميصا بدون أكمام، كما ألبس في بيتي، فالحرارة شديدة في مدريد. تبادلنا السلام والحديث بلغة موليير (Molière)؛ وهي المشترك اللغوي الوحيد للتواصل فيما بيننا، وكان هذا سببا وجيها للإقامة عندها، فجلسنا مساء بعد أخذي لقسط من الراحة في الغرفة التي وجهتني إليها والحمام النظيف الذي يخصني لوحدي. ارتحت لنظافته لأن أشد ما يقلقني خارج بيتي أن أستعمل دورة مياه أو حمام غير نظيف. أوله رائحة كريهة كما هي أغلب دور المياه في المؤسسات التعليمية التي اشتغلت بها سنينا من عمري، والتي كنت لا أستعملها مهما كانت حاجتي إليها، كنت أقاطع شرب الماء حتى لا أضطر لاستعمال دورة المياه إن وجدت، فقد اشتغلت سنينا بمؤسسات تعليمية بالمستوى الابتدائي لا تتوفرنهائيا عليها.
سمعت مرار عن خطورة عدم الذهاب للمرحاض وحصر البول وعدم الشرب، أتساءل أحيانا كما صديقاتي اللواتي عاشرنني لسنين طوال، وصدمن بخبر إصابتي بداء السكري، لأنني آخر إنسان يمكن أن يصاب بمثل هذه الأمراض السايكوسوماتية لشخصيتي الاجتماعية المرحة كما يقلن والمقبلة على الحياة، ومثلهن أتساءل عن الرابط الغريب بين إصابتي بداء السكري وامتهاني لمهنة التعليم، وما كنت أكبته من حاجات بيولوجية عن طيب خاطربسبب عدم نظافة المراحيض أو مكرهة لعدم وجودها أساسا.
عرفت عن كارمن وأنا أتحدث وإياها، أنها كانت مدرسة ومريضة مثلي بداء السكري، ترى هل دور المياه بالمؤسسات التعليمية بإسبانيا كما هي في بلادي مقترنة بالرائحة الكريهة! وأحيانا بالمناظر الموجبة للغثيان؟
عرفت أيضا بتبادلنا أطراف الحديث أنا وكارمن أنها حالياً متقاعدة. وتعمل كمترجمة للكتب من اللغة الإسبانية إلى الفرنسية وتتقاضى عن ذلك أجرا إضافيا، ليس كما حال المرأة المتقاعدة عندنا التي تكتفي في أحسن الأحوال أن تؤدي عمرة أو حجة كحلم من أحلامها المؤجلة التي تطمرها غالبا، وتكتفي بالمكوت ببيتها من أجل خدمة أسرتها واستغلال وقتها من أجلهم الذي يصبح بملكيتها لتسخيره لهم كاملا.
لاحظت أنه لا يوجد غيري وروح كارمن بالبيت، عرفت فيما بعد أنها بدون أبناء وبدون زوج الذين نعتبرهما في بلادي سنة لا محيد ولا قيمة لأي امرأة بدونهما.
زدك فخرا أنك مع مول الخير و أنك صحراوي و أنك مغربي.
2025-09-15