أوراق من (وعي وثقافة) للكاتبة والمؤرخة المصرية الدكتورة منال إمام (المرأة العربية وحماية قيم الأسرة في ظل التحديات المعاصرة)
د. منال إمام
ساعتين مضت
بقلم: د. منال إمام.
دور يتجاوز حدود المنزل ليصنع مستقبل المجتمع:
ليست الأسرة مجرد أفراد يعيشون تحت سقف واحد، بل هي الحكاية الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحب والانتماء، ومنها يستمد إحساسه بالأمان، ويتعرف من خلالها إلى قيم الاحترام والتسامح والمسؤولية والعطاء. وكلما كانت الأسرة أكثر تماسكًا، كان المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وبناء مستقبل مستقر. ومن هنا، يبرز دور المرأة العربية بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء الأسرة، وحارسةً لقيمها، ومساهمةً في تشكيل وعي الأجيال القادمة.
وعلى امتداد التاريخ العربي، احتلت المرأة مكانة مهمة في حياة الأسرة والمجتمع، وإن اختلفت أدوارها وظروفها من بلد إلى آخر، ومن عصر إلى آخر. فقد كانت الأم التي تغرس في أبنائها حب الوطن واحترام الآخرين، والجدة التي تحفظ الذاكرة الشعبية وتنقل الحكايات والعادات والتقاليد، والمعلمة التي تسهم في بناء العقول، والمرأة العاملة التي تجمع بين طموحها المهني وحرصها على أسرتها. وفي كل هذه الأدوار، ظلت المرأة جزءًا أصيلًا من عملية نقل القيم من جيل إلى جيل، مع قدرتها على تطويرها بما يتناسب مع متغيرات الحياة.
لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يشبه العالم الذي نشأت فيه أجيال سابقة. فقد أصبحت التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أسرع من قدرة كثير من الأسر على استيعابها، ووجدت المرأة العربية نفسها أمام مسؤوليات جديدة وتحديات متشابكة، تتطلب منها قدرًا أكبر من الوعي والحكمة والمرونة.
حين تتسع نافذة العالم، كيف نحافظ على دفء البيت؟
فتحت العولمة أمام الأبناء نوافذ واسعة على ثقافات وتجارب مختلفة، وأتاحت لهم فرصًا كبيرة للتعلم والتواصل واكتشاف العالم. غير أن هذا الانفتاح قد يخلق أحيانًا فجوة بين ما يتعلمه الأبناء داخل الأسرة وما يشاهدونه في محيطهم الرقمي والثقافي. وهنا لا يكون الحل في الانغلاق أو رفض كل جديد، بل في مساعدة الأبناء على التمييز بين ما يثري حياتهم وما يتعارض مع كرامتهم ومسؤوليتهم وانتمائهم.
فالهوية ليست جدارًا نعزل به أبناءنا عن العالم، وإنما جذور تمنحهم الثبات وهم ينفتحون عليه. والمرأة العربية، بما تمتلكه من خبرة في التربية والتواصل، تستطيع أن تجعل الحوار وسيلة للتقارب، وأن تقدم القيم بأسلوب يقنع الأبناء ويجعلهم يشعرون بأنها جزء من حياتهم، لا مجموعة من الأوامر المفروضة عليهم.
وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف تحديًا آخر؛ فقد قرّبت المسافات بين البلدان والأفراد، لكنها لم تضمن بالضرورة التقارب بين أفراد الأسرة الواحدة. وربما تجتمع الأسرة حول مائدة الطعام، بينما ينشغل كل فرد بشاشته، فتغيب الأحاديث الصغيرة التي تصنع الألفة، وتضعف لحظات المشاركة التي يحتاج إليها الأبناء ليشعروا بأنهم مسموعون ومفهومون.
ومن هنا، تأتي أهمية أن تكون المرأة العربية، إلى جانب الأب وبقية أفراد الأسرة، شريكًا في ترسيخ الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، لا من خلال المنع الدائم، بل عبر القدوة والحوار وتنظيم الوقت. فالتربية في العصر الرقمي لا تعني إبعاد الأبناء عن العالم الافتراضي، وإنما تعليمهم كيف يتعاملون معه بوعي، ويحافظون على خصوصيتهم، ويحترمون الآخرين، ولا يسمحون لما يرونه على الشاشات بأن يحدد وحده قيمتهم أو اختياراتهم.
المرأة العربية بين مسؤوليات الأسرة وطموحات الحياة:
ولا يمكن الحديث عن الأسرة العربية بمعزل عن الظروف الاقتصادية التي تعيشها كثير من المجتمعات. فارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط العمل، وصعوبة التوفيق بين الالتزامات المهنية والأسرية، كلها عوامل تضع المرأة أمام مسؤوليات متزايدة. وقد أصبحت كثير من النساء يشاركن في إعالة الأسرة، إلى جانب أدوارهن في التربية والرعاية، وهو ما يجعل تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية تحديًا حقيقيًا.
لكن من المهم ألا نحمّل المرأة وحدها مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسرة، وكأن نجاح الحياة العائلية يتوقف على قدرتها على التضحية المستمرة. فالأسرة مسؤولية مشتركة، واستقرارها يحتاج إلى تعاون الزوجين، ومساندة المجتمع، وسياسات عمل تراعي احتياجات الأسرة، وخدمات تساعد الوالدين على أداء أدوارهما دون استنزاف.
إن تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا لا يتعارض مع استقرار الأسرة، بل يمكن أن يعززه عندما تتوافر بيئة عادلة تتيح لها تحقيق طموحاتها والمشاركة في اتخاذ القرارات، مع توزيع المسؤوليات الأسرية بصورة متوازنة. فالمرأة التي تجد الدعم والتقدير تكون أقدر على العطاء، والأسرة التي يتقاسم أفرادها الأعباء تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. وللحديث بقية…
2026-10-20