حفيظ البدري يكتب : الطيب والسيئ والقبيح…او حين يتبارز الفنانون من أجل الذهب المغشوش ؟
د. حفيظ البدري
ساعتين مضت
كتب / الفنان حفيظ البدري
في فيلم «الطيب والسيئ والقبيح» لسيرجيو ليوني، يتصارع ثلاثة رجال على كنز مدفون. تتداخل المصالح والخدع والتحالفات، حتى يصبح السؤال ليس من يستحق الذهب، بل من ينجح في الوصول إليه. ونحن على أبواب المهرجان الوطني للمسرح، يبدو المشهد قريباً من هذه المبارزة، مع اختلاف الأسلحة: لا مسدسات هنا، بل ملفات الدعم ، الذي يحتاج نفسه إلى دعم. وبطاقات المشاركة حقيقية لا لكل من اشترى صكوك الولاء ونام ليلة واحدة في فندق المهرجان ، وذهب لحال سبيله .
لا يقدم ليوني شخصيات أخلاقية جاهزة، فالطيب ليس ملاكاً بل يستفيد من اللعبة، والسيئ يمارس شره ببرودة، أما توكو “القبيح” فيكشف بسخريته تناقضات الإنسان.
وهنا السؤال: هل نحن أمام ثلاثة رجال مختلفين، أم أمام ثلاث صفات تجتمع في الفرد الواحد؟ وهل تكمن المشكلة في المتبارزين أم في القواعد التي تجعل الجميع مضطراً للتفاوض مع الشر كي ينجو؟
تبدأ المبارزة المسرحية قبل تعيين الوزير الجديد، وكأن المطلوب منه أن يبارك نتائجها وقواعدها قبل تولي مهامه. فهل يأتي لتصحيح المسار، أم لمنح الاختلالات شهادة ميلاد جديدة؟
إن اختيار عرض أمازيغي وحيد يطرح سؤال التعددية بحدة. فبعد غياب المسرح الأمازيغي عن الدورة الماضية، هل يمثل هذا الاختيار اعترافاً حقيقياً بتنوع اللغات والتجارب الجهوية، أم مجرد معالجة شكلية لسؤال الإقصاء؟ إن ضعف التمثيلية الجهوية وغموض معايير الانتقاء يفرغان مصطلح “الوطني” من معناه، فالوطنية ليست اسماً على ملصق، بل انعكاس لغنى الخريطة المسرحية المغربية .من طنجة إلى لكويرة .
ثم يدخل القرص المدمج إلى المبارزة، وكأن الكاميرا أكثر مصداقية من مشاهدة العرض حياً! والتسجيل ليس هو المسرح؛ فهو يحجب الجسد ويغيب التفاعل المباشر مع الجمهور. ويسخر البعض بأن القرص قد يُوضع في حاسوب مصاب بفيروس لتنتقل العدوى إلى المسرح نفسه، وكأن ما ينقصنا ليس الإقصاء وتأخر المستحقات ، بل فيروس إضافي للتخلص من الطيب صاحب المسرح السيئ والمخرج القبيح!
تشتكي عدة فرق من عدم توصلها بالدفعة الأولى من الدعم رغم تنفيذ عروضها، وإذا كانت المستحقات منصوصاً عليها في العقود، فإن التأخر يطرح سؤال احترام الالتزامات. نحتاج اليوم إلى قطيعة إيجابية تتجاوز الشعارات نحو قرارات تعيد الاعتبار للعدالة المجالية وتضع الفنان في صلب السياسات العمومية. ثقافياً، تعني هذه القطيعة أن يصبح الاستحقاق قاعدة . والتعدد مبدأ. و الشفافية مبدأ . والريع فيروس سيء السمعة .
لسنا بحاجة إلى توزيع أدوار «الطيب والسيئ والقبيح» على أشخاص بعينهم، بل إلى مساءلة قواعد المبارزة نفسها. الاختبار الحقيقي هو أن يكون المهرجان مرآة لتعدد المغرب، لا ساحة يتبارز فوقها الإخوة الأعداء من أجل الذهب، بينما يظل الفنان والجمهور آخر من يصل إليهما نصيبهما منه.
نحتاج إلى سيرجيو ليوني في المسرح المغربي ليعري قواعد اللعبة ويخرجنا من “مسرح السباكيتي”، حيث الوصول إلى الذهب أهم من قيمة العرض وكرامة الفنان. لكننا نحتاج أيضاً إلى روح الموجة السينمائية الجديدة (تريفو وغودار) الذين أوقفوا مهرجان “كان” سنة 1968 تضامناً مع الحراك الاجتماعي. نحتاج إلى هذه الروح لنطرح السؤال المصيري: ماذا يعني أن يكون المهرجان وطنياً إذا لم يصن كرامة فنانيه ويعكس تنوع جهاته؟
2026-10-16