ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى
بعد نجاح وتميز مجموعة من البرامج والأفكار التي لها علاقة بمدينة سوق أربعاء الغرب باقليم القنيطرة وهي مجهودات لبحث مهني خاص وحصري لاعلاقة له بصحافة التفاهة بل بإعلام مغربي مهني جاد وهذا هو نهج جريدة الرباط نيوز كمنبر له قيمته ورسالته المهنية . ..
اليوم وتزامنا مع موسم الدخول المدرسي تنطلق جريدة الرباط نيوز وبإعداد واجتهاد من الاستاذ الباحث سلام بنية في نشر سلسلة يومية حصرية عبارة عن ذكريات ومذكرات مدرسية تعليمية قيمة نتمنى أن تنال الإعجاب وتقدم الجديد والممتع..
سيدي_قدور_النخوي..وقفة_على_عكاز_النسيان ..!
كتب/ الاستاذ سلام بنية
ها أنا أستحضر المشهد من جديد ، و كأن الزمن يعيد نفسه أمام عيني ليختبر صبري و وفائي .. مروري بجوار أستاذي الغالي ، السي قدور النخوي ، لم يكن مرورًا عابرًا ، بل كان لحظة انفتح فيها جرح قديم في القلب ، و ارتفعت في الحلق صرخة لم تجد طريقها إلى الكلام .. ذلك الرجل الذي أفنى زهرة شبابه بين دفاتر التلاميذ و أحلامهم ، و بذل من عمره و جهده ما لا يُقاس .. ها هو اليوم يمشي متكئًا على عكازه ، مثقلًا بأعباء السنين ، و كأن العكاز لا يسند جسده وحده ، بل يحمل معه ثقل ذاكرة طويلة من العطاء و التربية و التعليم . رأيته .. فتزاحمت الذكريات في داخلي . تذكرت حكاياته التي كان يرويها لنا و نحن صغار ، تلك الحكايات التي لم تكن مجرد قصص عابرة ، بل كانت دروسًا و وصايا ترسخت في وجداننا . كان يعلّمنا ، قبل أن يعلّمنا الكتاب ، أن الوفاء قيمة لا تسقط بالتقادم ، و أن المعلم قد يكون أبًا ثانيًا ، يظل أثره في القلب مهما ابتعدت بنا السنوات . لكنني حين تأملت ملامحه ، شعرت بأن وراء تلك النظرة حكاية أخرى .. حكاية رجلٍ لم تُتعبه السنين وحدها ، و إنما يؤلمه أيضًا أن تطوي الذاكرة بعض الوجوه التي كان يومًا جزءًا من صناعتها .. كم كان هو يقول ..: مؤلم أن يمر بعض تلاميذتي الذين أصبحوا اليوم رجالًا ذوي شأن ، بجواري ، و انا معلمهم القديم وكأنهم لا يعرفونني ، فلا سلام ، و لا تحية ، و لا حتى نظرة وفاء ..! كيف يمكن للإنسان أن ينسى اليد التي أخذت بيده يوم تعثر ..؟ و كيف ينسى صوت المعلم الذي كان يرسم له أولى خطوات الطريق ..؟ إنها ليست مسألة تحية عابرة .. إنها مسألة وفاء. اخذته ، و اصلته إلى باب بيته ، و في ملامحه شيء من الحزن العميق ، و كأن وراء ذلك الصمت مدينةً كاملةً هُجرت أبوابها ، وبقيت تنتظر من يطرقها .. وقفتُ .. و انا انظر إليه و هو يلج إلى باب منزله .. و أنا أردد في سري ..: قد يطوي الزمان صفحات كثيرة ، لكنه لا يستطيع أن يطوي فضل الرجال الكبار ، و لا أن يخفت نورهم .. فهم خالدون في ذاكرة الصادقين ، راسخون في قلوب الأوفياء . سأترحم عليك ، أستاذي سيدي قدور النخوي ، ما حييت ، و ما بقي فينا نفس يتردد . سأذكرك مع كل موسم دراسي ، و مع كل حديث عن المدرسة و أيامها الجميلة ، وسأستعيد أسماءك باعتزاز ، لأنك لم تكن مجرد رجل تعليم ، مررنا من أمامك، بل كنت جزءًا من طفولتنا ، و من تكويننا ، و من ذاكرتنا التي لا تزال تحفظ الجميل .. إن غفل عنك بعض من ربيتهم ، فلن يغفل عنك من عرف قيمة الرجال ، و إن خانت الذاكرة بعض القلوب ، فإن ذاكرة الأوفياء لا تخون . نم مطمئنًا أيها الكبير .. فقد يتغير الزمن ، و تتبدل الوجوه ، و تتباعد الطرق ، لكن فضل المعلم الصادق يبقى حيًا ، لا يمحوه تقادم السنين ..!