سلسلة احدى عظيمات الوطن للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي[الشاعرةُ والأديبةُ السوريةُ/ فاتنُ إبراهيمَ حيدرُ]
هيئة التحرير
7 ساعات مضت
سلسلة احدى عظيمات الوطن للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي[الشاعرةُ والأديبةُ السوريةُ/ فاتنُ إبراهيمَ حيدرُ]

كتب/ الاستاذ محمد ابراهيم الشقيفي
حريرُ الشجنِ
قدْ تتشكلُ صورُ الإبداعِ على هيئةِ متاعٍ طائرٍ يحلقُ بشكلٍ عفويٍّ، يرقُّ لهُ طودُ الشموخِ، يعانقُ زعانفَ المطرِ. هبْ أنَّ سحرَ الكلماتِ يغازلُ وجناتِ الطبيعةِ؛ حينذاك يشتدُّ عودُ الاسترخاءِ، ويزدهرُ استقراءُ الفكرِ، فتهدأُ حالةُ اللاشعورِ منْ بعدِ حزنٍ شقَّ صدرَ غارمِ العشقِ السجينِ. لكنْ فوقَ رأسِ خيمةِ الاعتصامِ والتعتيمِ والإفراطِ في الاستسلامِ لنقاطِ الضعفِ، يستجلبُ القدرُ شيئاً يمنحنا ثقةً تعكسُ مدى وعيِ الإحساسِ بوجودِ هالةٍ متخفيةٍ. وعلى رغمِ الرعونةِ في مرآةِ الحلمِ المُهشمِ، نتعايشُ معَ لحظاتِ التدبرِ؛ فتتأصلُ التجربةُ كجذعٍ حافرٍ للصخرِ، وتحدثُ بعضُ المفارقاتِ الفاصلةِ التي تحملُ العبرةَ؛ فتستخلصُ العطرَ النادرَ منْ “حريرِ الشجنِ”. خيوطُ النجاحِ تتشعبُ مثلَ الغصنِ المتفرعِ لأجلِ اعتلاءِ عرشِ الصدارةِ بإرادةِ امرأةٍ.
ورغمَ أنفِ الليلِ المريبِ، ووضوحِ النهارِ بلا تكذيبٍ، تتمخضُ الشمسُ لكيْ تتنفسَ شاعرةُ سوريا الأولى أحرَّ الكلماتِ، وقدْ شغفها حباً الغوصُ في أفكارِ التأملِ بعدَ أنْ داعبها الحزنُ بمقلتيْ باكيتينِ! قدْ انعطفتْ -بلا طواعيةِ الجوادِ المروضِ- إلى مضيقٍ مظلمٍ بعدَ فاجعةِ انطفاءِ قنديلِ الأمانِ في لحظةِ ميلادِ الضحكةِ التي زامنتْ أولَ صرخةٍ مدويةٍ مفعمةٍ ببكاءِ الفطرةِ لغرابةِ العالمِ المقبلِ عنْ مصدرِ الأمانِ بلا كللٍ مفزعٍ. ربما تألمتْ روحُها، لكنَّ غلبةَ اليقينِ جعلتها تتعافى بعدَ أرقٍ وهطولِ كدرِ الصراعِ. إنها فنارةُ الرؤى والأحلامِ؛ الكاتبةُ السوريةُ التي تعلمتْ منْ مجملِ الحياةِ ألا تخدشَ لها الأيامُ كرامةً. وُلدتْ الشاعرةُ (فاتنُ إبراهيمَ حيدرَ) بقريةِ تلدرةَ، فتزينتْ لخطاها الجواري؛ لتكنَّ عقولُهنَّ وصيفاتٍ لهذا الكيانِ الأدبيِّ. لمْ تكنْ مجردَ حالةٍ بينَ ريشِ النعامِ، ولا زخرفةِ وسادةٍ أشبهَ بطاووسِ الجمالِ. ربما فكرةُ الهربِ التي راودتها للتنصلِ منْ بشاعةِ خندقِ العذابِ، كلُّ هذا المجموعِ المشروحِ بمفرداتٍ مختلطةِ المعاني؛ دفعها بعدَ رحلةِ الشقاءِ التي جاورتْ فزاعةَ الألمِ إلى خوضِ تجربةِ الزواجِ حالمةً بالحبِّ بعدَ اجتيازِ مرحلةِ الثانويةِ العامةِ مباشرةً؛ لتكنْ تلكَ الخطوةُ أشبهَ ببوابةٍ نجميةٍ تحيي الطموحَ بعدَ الجموحِ خارجَ حدودِ التوقيتِ الزمنيِّ للأحداثِ؛ لتهمسَ شفاهُها بمدادٍ زعفرانيٍّ يفندُ حكاوي القاصةِ التي تعزفُ أناشيدَ نكرانِ الذاتِ. ولأجلِ الأمومةِ استطاعتْ أنْ تضعَ نقطةَ استنكارِ الأوجاعِ؛ سطرتْ في كتابِها “زخاتُ عشقٍ” كلَّ لمساتِ الشوقِ، فنالتْ احترامَ القارئِ العربيِّ المتابعِ لكلِّ نثرٍ مخطوطٍ في كلِّ كيانٍ صحفيٍّ مرموقٍ؛ فكانتْ نجمةَ الأدبِ المُلهمِ، وهيَ زوجةٌ متوجةٌ فوقَ كتفيْ درعِها الواقي وسهمِها النافذِ في صدرِ أطماعِ البشرِ بتجربةٍ مدهشةٍ ترى النورَ في محفلٍ ثقافيٍّ يتبنى أطروحةَ فاتنَ حيدرَ نحو حياةٍ أفضلَ.
قدْ تتوقُ النفسُ لتفاصيلَ أدقَّ، لكنْ يأخذني القلمُ إلى عطفةِ الشعرِ بمحرابٍ متسعٍ تصورُ في زواياهُ الشاعرةُ حقيقةَ الحبِّ الأبديِّ للأوطانِ، باحثةً عنِ الأمانِ الذي تطلبهُ منذُ المهدِ. قرأَ لها الفؤادُ ملحمةً كبرى تضاهي معلقاتِ سوقِ عكاظٍ ببردةِ فرائسَ مُلهمةٍ؛ طوعتْ قصيدتَها “وطني حبيبي” أحرفَ الضادِ دونَ تضادٍّ لغويٍّ، وكأنها بتلكَ الكلماتِ تستجمعُ القوى بعدَ حالةٍ منَ الخذلانِ؛ فخلدتْ معنى الوفاءِ وارتباطَ النفسِ والمكانِ؛ لتعلوَ رايةُ السلامِ في الأوطانِ. نثرتْ رسالةً للعالمِ بشطريْ انتفاضةِ حنينٍ، فكتبتْ: “كمْ منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتى، وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ”. فكانتْ أبلغَ دلالاتِ الوفاءِ في زفافٍ غيرِ مصطنعٍ بعرسِ حريرِ الشجنِ.
رغمَ التحلي بروحِ الصبرِ وريحانةِ الحكمةِ، إلا إنَّ التواصلَ المجتمعيَّ أفردَ لطيفَها عشقَ القلمِ وإتقانَ الكتابةِ على تمهلٍ بأرقى الجملِ. شعورُ الوطنيةِ عهدٌ يأبى فناءَ الحيِّ وغربةَ الصاحبِ. كلُّ التجاعيدِ في جباهِ المناضلينَ جعلتْ منَ الشاعرةِ فاتنَ حيدرَ -الحاصلةِ على ليسانسِ الترجمةِ بتقديرٍ جيدٍ جداً منْ جامعةِ البعثِ قسمِ الترجمةِ- جعلها تغردُ بصوتٍ عربيٍّ قدْ أطربَ كروانٌ يسكنُ الغصنَ المنشورَ، تعبرُ بينَ فتحاتهِ إلى حلى الأشجانِ. لمْ يمنعها شغفُ النجاحِ منَ الاعتناءِ بعاصمةِ الاستقرارِ الدنيويِّ “أسرتِها وزوجِها المزارعِ في خندقِ الكفاحِ”. مكثتِ الأديبةُ السوريةُ وقتاً لا بأسَ بهِ لتعودَ بإطلالةٍ مثيرةٍ تحدتْ بها سرابَ الروحِ؛ أنَّ الأملَ يتجددُ بعدَ خمسةَ عشرَ عاماً منَ التوقفِ؛ اشتعلَ برأسِها حلمُ استئنافِ التعليمِ استبدالاً لواقعِ الأجواءِ الجامعيةِ بكلِّ تفاصيلِها، انتقالاً منْ عالمِها الافتراضيِّ إلى الواقعِ الانتقاليِّ، متحمسةً إلى الخطابِ بلغةٍ يفهمها قاطنو دروبِ الانتماءِ في بحارِ العربِ؛ أنشدتْ تتغزلُ: “يا وحيَ أيامي التي استعجلتُها، ورفيقَ أحلامي، وسرَّ تبتلي”. بغايةِ الوصولِ إلى هدفِ التمكنِ بمفترقِ الطرقِ، بدأتْ استئنافَ الحياةِ منْ نقطةِ الاستيقافِ الدراسيِّ بعدَ التعليمِ الجامعيِّ. إنها المبهرةُ في الدوامِ كسبيلٍ للإنفاقِ والإعانةِ على الإعاشةِ بينَ مراحلِ التعليمِ المختلفةِ. شاعرةُ إخمادِ البارودِ حينَ تقرعُ طبولُ الحربِ؛ تراكمتِ الأفكارُ لديها، استهلتْ ما تقدمهُ للوطنِ بحكمةٍ تدوي تعقلاً في أقسى المحنِ؛ فقالتْ -معبرةً عنْ حالِ الحرائرِ-: “ما زلتُ قدوةَ كلِّ نفسٍ حرّةٍ تصبو إلى شرفِ انتماءٍ أوّلِ”. لمْ تنكرْ فضلَ الجدرانِ الزهيدةِ التي عاشتْ في كنفِها واعتبرتْها شريانَ حياةٍ، لكنَّ الضربةَ الموجعةَ التي أسقطتْها أرضاً هيَ وفاةُ صاحبِ دوارةِ الصدقِ التي عاشتْ في كنفِ عباءتِهِ؛ وعلى الرغمِ منْ انقلابِ الموازينِ باتتِ الدردارةُ غيرَ طاحنةٍ لأوجاعِ فاتنةِ الصحراءِ، بكتِ الفاتنةُ بعينِ الصراخِ الأصمِّ على أبيها وهيَ غارقةٌ معَ غربةِ شرفاتِ المحنِ.
الكاتبةُ السوريةُ لمْ تخططْ -رغمَ المخارتِ- للانكسارِ والانعزالِ، ولمْ تعلنْ للعالمِ ثمةَ هزيمةٍ، بل قالتْ في شطرِ بيتِها: “مَنْ بعدِ عينيكَ لا أحظى بمؤتمنِ”. منْ هنا تبدأُ مرحلةُ نموِّ الكلمةِ بعدَ اندثارِ بعضِ الألوانِ؛ لتكنْ محبرةُ الدمعِ بينَ جفونِ الشجونِ أنقى طهرٍ للمدادِ. ومنْ روائعِ الأدبِ لها القسمُ الأكبرُ الذي سطرتْ فيهِ روعةَ التصنيفِ الأمثلِ للكلمةِ برسالةٍ للعمومِ؛ أنَّ معَ الضعفِ شيءٌ أسمى منَ التراجعِ، إنهُ النجاحُ منْ أجلِ استمرارِ الحياةِ. تحدثتْ عنِ الواقعِ باستقلاليةٍ عنِ التهميشِ؛ إنهُ التعايشُ دونَ تزييفِ الطلاءِ؛ فكتبتْ أناملُها: “قلمي بينَ الطفولةِ والمشيبِ مشوارٌ تأمليٌّ يحاكي ولا يناقضُ واقعاً يناقشُ حقائقَ بلا عبثٍ؛ كفاحٌ يصورُ المصابرةَ”.
تجربةُ التماثلِ للشفاءِ فتحتِ البابَ لخوضِ فاتنَ حيدرَ -رأسِ حربيِّ الأدبِ العربيِّ- رحلةً إلى منبرِ الإعلامِ؛ وكأنها تروي بهذا النجاحِ ظمأَ الروحِ بزخاتِ الندى، واستظلتْ تحتَ سحابةِ طمأنينةٍ تخفي دمعَ السنينَ، واصفةً أنها تبدلُ الأيامَ كما يتبدلُ الثوبُ بوشاحِ الشجنِ. فاحَ عبقُ الإبداعِ بقصائدِ الشعرِ العموديِّ في كتابِها “مزنُ الهوى” الذي احتلَّ صدارةً جياشةً في معرضِ بغدادَ الدوليِّ للكتابِ لعامِ ٢٠٢٢؛ فكتبتْ لأمِّها كلمتينِ هما طوقُ النجاةِ، خاطبةً إعاقةَ البرِّ بمفردةٍ متأنيةٍ في الوصفِ: “دعيني أصلي تحتَ قدميكِ”. نعمْ، تلكَ جزالةُ المعنى؛ حيثُ الجنةُ تنطلقُ المسيرةُ إليها منَ النبضةِ الأولى للوهلةِ الأخيرةِ عامرةً بذخائرِ الحبِّ.
أنثى في أروقةِ الخيانةِ تتكئُ على مرفإٍ لا ينحني، على حدِّ قولِها الرنانِ: “كطفلةٍ ريفيةٍ تطيرُ بأجنحةِ السلامِ، تستمعُ إلى طنينِ المرحِ وهيَ تطاردُ المجهولَ معَ ضوءِ الصباحِ بعدَ غيابِ الغسقِ”، منفتحةً على مدىً زمنيٍّ واضحٍ.
القصصُ إنْ خلا منَ العبرِ؛ تجردتْ قارورةُ العطرِ منْ فحواها، وظهرتْ عورةُ الكلماتِ وسوأةُ مخارجِ الألفاظِ؛ لتكنْ فاتنةُ الشعرِ وأديبةُ الرومانسيةِ صانعةً منْ صلصالِ الطميِ فخاراً يحتفظُ بجودةِ الحياءِ في بكارةِ السحرِ. فلمْ تكنِ الفتاةُ الأولى التي فقدتْ أباها لحظةَ استيطانِ قدماها العالمَ، لكنها منْ فصيلةٍ مختلفةِ المعدنِ؛ أيقظتْ في الجانبِ المظلمِ الأملَ، وبعدَ عقدٍ ونصفٍ منْ الزمنِ انتفضتْ بقلمِها المُهذبِ ترسمُ ملحمةَ النجاحِ دونَ أنْ تخلعَ نعلَها الأنيقَ بينَ الطينِ والأنينِ بحلمٍ أوشكَ أنْ يكتملَ.
2026-07-09