حلقات من سلسلة إنتحار مراهقة للكاتبة المغرببة بشرى الظالم ( حين يصبح المال وسيلةً للحرمان)
دة. بشرى الظالم
3 ساعات مضت

كتب / الاستاذة بشرى الظالم
كان والد جنات رجلًا ميسورًا، بل إن وضعه المادي كان أفضل من وضع أبي بكثير.كان تاجرًا كبيرًا، يملك محلاتٍ في مكناس والدار البيضاء، وجاء إلى طنجة ليستثمر في تجارته. لم يكن المال غائبًا عن بيتهم، ولم تكن حاجاتهم الأساسية مستحيلة المنال
ومع ذلك، كانت جنات تأتي إلى المدرسة كل صباح بثيابها العادية، بينما كنا جميعًا نرتدي الزيّ المدرسي
في البداية، ظننت أن الأمر مؤقت، وأن بدلتها ستصل في الأيام التالية. لكن الأيام مرّت، وجنات تأتي بالثياب نفسها تقريبًا، حتى أصبح غياب الزيّ المدرسي أمرًا يلفت انتباه الجميع
كانت المديرة تستوقفها أمام باب القسم وتسألها:
جنات، أين بدلتك المدرسية؟
فتخفض رأسها، ويخرج صوتها خافتًا:
أمي لم تشترها لي
كانت تلك الجملة تكفي لتغيّر ملامح وجهها. لم تكن تخجل من ثيابها بقدر ما كانت تخجل من أن تضطر إلى شرح سبب ارتدائها لها كل يوم
وفي أحد الأيام، اتصلت المديرة بوالدتها أمامنا، وأخبرتها بوضوح:
— سيدتي، هذه مدرسة خاصة، والزيّ المدرسي إلزامي لجميع التلاميذ. أرجو أن توفّريه لابنتك
ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بحزم:
الأمر ليس ترفًا، بل جزء من نظام المدرسة
بعد المكالمة، علمنا أن الأم رفضت شراء الزيّ، رغم أن ثمنه لم يكن شيئًا يُعجز أسرةً تملك ما يملكه والد جنات
عادت جنات إلى مقعدها مطأطئة الرأس
لم تكن المشكلة في ثمن بدلةٍ مدرسية، بل في شيءٍ أقسى: أن تُحرم طفلة من شيءٍ بسيط يستطيع أهلها توفيره بسهولة، ثم تُترك لتتحمّل وحدها نظرات زملائها وتعليقاتهم
كان بعض التلاميذ يضحكون حين لا تحضر التمارين، أو حين تظهر بملابس مختلفة عنهم. وكانت جنات تزداد صمتًا كل يوم. تجلس وحدها، تفتح دفترها، وتحدّق في الصفحة طويلًا دون أن تكتب شيئًا
كنت أراقبها ولا أعرف كيف أساعدها
كنت أعرف أن أباها يملك المال، لكنني لم أفهم آنذاك كيف يمكن لأسرةٍ أن تملك كل تلك القدرة، ثم تبخل على طفلةٍ حتى في أبسط ما تحتاج إليه في مدرستها
اليوم فقط، أفهم أن أقسى أنواع البخل ليس أن تحتفظ بمالك لنفسك، بل أن ترى حاجة طفلٍ بين يديك، وتملك القدرة على تلبيتها، ثم تختار ألّا تفعل
وكانت جنات، يومًا بعد يوم، تتعلّم درسًا لم يكن ينبغي لطفلةٍ في عمرها أن تتعلمه
أن بعض الناس يستطيعون أن يمنحوا أبناءهم كل شيء، لكنهم يختارون أن يمنعوهم حتى من أبسط الأشياء
مرّت أيامٌ أخرى، ولم تشترِ والدة جنات الزيّ المدرسي
كنتُ أجلس معها في ساحة المدرسة، أحاول أن أجرّها إلى الحديث، لكنها كانت تميل إلى الصمت، وكأن الكلام صار بالنسبة إليها ترفًا لا تملكه. كانت تخجل من نفسها، أو ربما كانت تخجل من شيءٍ لم ترتكبه أصلًا
كانت جنات طفلةً جميلة؛ شقراء الشعر، بيضاء البشرة، واسعة العينين، بعينين تشبهان عيني غزالةٍ صغيرة تائهة. لكن تلك الغزالة لم تكن تعرف أنها تعيش في المكان الخطأ؛ كانت جميلةً من الخارج، ومطاردةً بالخوف من الداخل
كانت الكدمات تظهر على وجهها بين الحين والآخر. صفعةٌ هنا، وأثرُ ضربةٍ هناك، وكأن وجهها الصغير صار دفترًا تُكتب عليه قسوة البيت
وفي أحد الأيام، ونحن جالستان في الساحة، سألتها
جنات، لماذا تضربك أمك؟
ظلّت صامتةً قليلًا، ثم قالت:
لا أعرف
كانت تقولها بصدقٍ مؤلم. لم تكن تعرف لماذا تُعاقَب، ولا ما الذي يجعل أمها تغضب منها إلى ذلك الحد
ترددتُ قبل أن أطرح عليها سؤالًا آخر، ربما كان أكبر من سنّنا يومها:
هل أنتِ متأكدة أنها أمكِ؟ أعني… هل يمكن أن تكون زوجة أبيك؟ أو ربما أنتِ متبنّاة؟
نظرت إليّ للحظة، ثم ضحكت ضحكةً قصيرة لم أفهمها
قالت:
ليت الأمر كان كذلك
توقفتُ عن الكلام
أضافت بهدوء:
كنت سأكون أسعد طفلة
بقيتُ أنظر إليها، غير قادرة على استيعاب ما قالت
كيف يمكن لطفلة أن تتمنى، ولو للحظة، ألا تكون ابنة أمها؟
سألتها:
لماذا تقولين هذا؟
خفضت عينيها، ثم قالت
لأنني لو كنتُ متبنّاة، لكنتُ عرفت أن تلك القسوة ليست من قلب أمي
كانت جملتها أكبر من عمرها
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الإنسان قد يحتمل الألم أكثر حين يعرف سببه. أما أن يأتي الألم من الشخص الذي يفترض أن يكون مصدر الحب، فذلك وجعٌ لا يجد له الطفل تفسيرًا
بعد ذلك اليوم، بدأت جنات تفتح لي قلبها شيئًا فشيئًا.
أخبرتني أن أمها كانت تذهب باستمرار إلى الأطباء، وتخضع للفحوص، لأنها كانت تريد طفلًا آخر. وكانت تنتظر كل شهر خبر الحمل، فإذا مرّ الشهر دون أن تجد نفسها حاملًا، عاد غضبها إلى البيت، وكانت جنات تدفع الثمن
كانت تضربها، ثم تقول لها كلماتٍ لم تكن طفلة في عمرها تستحق أن تسمعها
تمنّيت لو لم أنجبكِ… أنا أريد ولدًا
كنت أستمع إليها ولا أعرف ماذا أقول
كنتُ صغيرةً مثلها، لكنني شعرتُ يومها بأن هناك شيئًا شديد الظلم في هذه الحكاية.كيف يمكن لأمّ أن تنظر إلى ابنتها، فلا ترى فيها طفلتها، بل ترى فيها السبب الذي يقف بينها وبين طفلٍ آخر تتمنّاه؟
كيف يمكن لإنسان أن يحوّل جسد طفلة إلى مكانٍ يضع فيه خيبة رغباته؟
توقفتُ طويلًا عند هذه الفكرة
فالطفل لا يأتي إلى الحياة ليختار جنسه، ولا يختار اليوم الذي يولد فيه، ولا يختار والديه، ولا يستطيع أن يتحمل مسؤولية أمنيات الكبار التي لم تتحقق
وجنات لم تكن مذنبة لأنها كانت فتاة
كانت فقط طفلةً وُلدت في الوقت الخطأ، في نظر أمٍّ كانت تنتظر مولودًا آخر
لكن ما كان يؤلمني أكثر هو أن جنات بدأت تصدّق، مع مرور الوقت، أنها فعلًا أقل قيمةً لأنها فتاة
كانت أمها تعاقبها على شيءٍ لم تختره، وتحمّلها مسؤولية حلمٍ لم يتحقق
ولأول مرة فهمتُ أن القسوة لا تبدأ دائمًا بضربة
أحيانًا تبدأ بجملة
«ليتني لم أنجبكِ»
ثم تتكرر حتى تصبح الجملة صوتًا يسكن داخل الطفل، فيبدأ بالنظر إلى نفسه كما ينظر إليه من يؤذيه.
وهذا، في رأيي، كان أول ما سرقته أمّ جنات منها:
لم تسرق منها طفولتها فقط… بل حاولت أن تجعلها تشكّ في حقها نفسه في أن تكون موجودة
لم يتغيّر شيء
كانت الأيام تمضي، وأنا ما زلت أسمع من شرفتي بكاء جنات، وصوتها المرتجف وهي تتوسّل أمها أن تتوقّف. كنت أسمعها، وأبقى عاجزةً خلف نافذتي، أحمل خوفًا لا أعرف كيف أضعه في مكانه
وفي أحد الأيام، غابت جنات عن المدرسة. وبعد انتهاء الدرس، أعطت المعلّمة أحد زملائنا، ، ورقة تمارين لتوصلها إليها. كان يسكن في البناية نفسها التي تسكن فيها جنات، فذهب إليها بعد عودته من المدرسة
طرق الباب،
قال الطفل ببساطة
— هذه ورقة أعطتني إياها المعلّمة لجنات. قالت إن فيها تمارين عليها أن تنجزها
لم يكن في الأمر أكثر من ذلك
ورقة مدرسية، وطفل يؤدي ما طلبته منه معلّمته
لكن شيئًا آخر حدث خلف ذلك الباب
لم تمضِ لحظات حتى ارتفع الصراخ، ثم انغلق الباب، وبدأت أصوات الضرب تصل إلى الخارج. كان الطفل لا يزال واقفًا أمام المنزل للحظات، مذهولًا لا يفهم ماذا فعل، ثم غادر مسرعًا
ومنذ ذلك اليوم، بقيت تلك الحادثة عالقةً في ذاكرتي
لم تكن المشكلة في الورقة
كانت المشكلة في عقلٍ يبحث عن سببٍ ليعاقب طفلة
كانت جنات تُسمع كلمات جارحة، ويُساء إليها بألفاظٍ مهينة، حتى صار اسمها في البيت يُنطق أحيانًا بالغضب والاحتقار، وكأنها ارتكبت ذنبًا لم أعرفه أنا، ولم تعرفه هي
ثم جاءت اللحظة التي لا أستطيع نسيانها
خرجت جنات من منزلها باكية، هي و امها وذهبت إلى شقة زميلنا، وكانت أمّه تعمل في المجال الصحي. كانت ام جنات تريد أن تشتكي من أن الطفل جاء إلى بيتها، وكأن مجيئه إليها كان جريمة
استمعت المرأة إليها، ثم قالت لأمها باستغراب
— لكنه لم يفعل شيئًا. ابني جاء فقط ليسلّم ابنتك ورقة التمارين التي أعطتها له المعلّمة. لماذا كل هذا الغضب؟
لكن أم جنات لم تكن ترى ورقةً مدرسية
كانت ترى شيئًا آخر في رأسها، شيئًا لم يكن موجودًا إلا في ظنونها
خرجت جنات من هناك وهي أكثر انكسارًا مما جاءت
ثم جاء يومٌ آخر، كان أشدّ من كل ما سبقه
عاقبها أبوها بعنف، وأصيبت في فخذها إصابةً جعلت المشي مؤلمًا عليها. ولم تكن أمها إلى جانبها لتحميها، بل كانت حاضرةً في تلك القسوة
وفي تلك اللحظة حدث شيء لم أفهمه في البداية
بدأت جنات تضحك
كانت ضحكةً غريبة، متقطّعة، خرجت من طفلةٍ تجاوز الألم في داخلها قدرة البكاء
كانت تضحك وتكرر
سأخبر الله بكل شيء… سأخبر الله بكل شيء…
غابت جنات عن المدرسة أسبوعًا كاملًا. وحين عادت، لم تكن تستطيع المشي بصورة طبيعية بسبب الإصابة التي لحقت بها
كنت أنظر إليها ولا أعرف ماذا أقول
كانت في الثانية عشرة فقط
اثنا عشر عامًا، ومع ذلك كانت تتحدث عن الله كما يتحدث شخصٌ أنهكته الحياة ولم يعد يجد مكانًا آخر يضع فيه شكواه
لم تكن تعرف كيف تدافع عن نفسها، ولا كيف تشرح ما يحدث لها، ولا كيف توقف اليد التي تؤذيها
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا
أن هناك عدالةً أكبر من قدرتها الصغيرة على الاحتمال
ولهذا كانت تقول، وسط بكائها
«سأخبر الله بكل شيء »
وكنت، كلما سمعتها، أشعر أن تلك الجملة لم تكن تهديدًا لأمها، بل كانت آخر خيطٍ تتشبث به طفلةٌ لم يجدها أحد حين كانت تستغيث
يتبع…
2026-09-21