السبت 27 فبراير 2021 - 1:22:41
أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام رأي / أسباب حدوث الفيضانات بالمدن المغربية: نموذج فاجعة طنجة

أسباب حدوث الفيضانات بالمدن المغربية: نموذج فاجعة طنجة

أحمد الطلحي / متخصص في العمارة الإسلامية

عرف المغرب في السنوات الأخيرة عددا من حوادث/كوارث الفيضانات، خصوصا في المدن الكبرى، أخطرها والأكثر فداحة من حيث الأضرار البشرية والمادية: فيضانات سطات والمحمدية سنة 2002، وفيضانات طنجة سنة 2008 التي تسببت في اغلاق اكثر من 130 وحدة صناعية وتوقف 30000 عامل عن العمل، ثم فيضانات الدار البيضاء وطنجة مؤخرا. لكن تبقى ربما فيضانات الاثنين الاسود 8 فبراير بطنجة الاكثر ايلاما لانها خلفت 28 ضحية في حادثة فظيعة تمثلت في غرق هؤلاء الضحايا في معمل بقبو، رحمهم الله جميعا وتقبلهم من الشهداء.
وطبعا بعد كل حادثة يتسابق الناس في توزيع الاتهامات، اما بناء على علم ومعلومات، او بدافع الانتقام او تصفية حسابات. لكن في حقيقة الأمر، ودون استباق لنتائج التحقيق، لا يمكن ارجاع ظاهرة الفيضانات لعامل واحد او عاملين بل الى عوامل متعددة.
أ- معطيات قد تساهم في تفسير فاجعة طنجة:
1- يوجد مكان الفاجعة في تجزئة قديمة، مرخصة من قبل جماعة قروية، قبل توسيع المدار الحضري لطنجة، والان اصبحت بسبب التمدد العمراني في وسط المدينة. والترخيص لهذه التجزئة كان خطأ تعميريا دون تجريمه، خطأ لانه سمح بالبناء في سرير الوادي، ولا يمكن تجريمه لاننا نعرف قلة الاطر العليا او انعدامها احيانا في الجماعات القروية، خصوصا قبل ثلاثين سنة، ولانه في تلك الفترة لم تكن لا وكالة حضرية ولا وكالة الحوض المائي.
2- البناية التي يوجد فيها المعمل، حصلت على رخصة البناء في 1996 تمثلت في طابق سفلي سكني وطابقين علويين وطابق ثالث غامر Rotring، لكن صاحب البناية بنى قبوا وطابقا سفليا تجاريا وطابقين علويين وطابق ثالث غامر. ولحد الان البناية غير محفظة ولا تتوفر على رخصة السكن Permis d’habiter. اي ان البناية مخالفة، ولم يحصل صاحبها على رخصة تسوية الوضعية.
3- المقاولة صاحبة المعمل هي شركة قانونية بمقتضى قانون الشركات حسب تصريح غرفة التجارة والصناعة والخدمات، لكنها لا تتوفر على رخصة الاستغلال التي تسلمها الجماعة، ولا يمكن ان تحصل عليها لانعدام توفر الشروط الضرورية لمزاولة هذا النشاط في هذه البناية المعدة أساسا للوظيفة السكنية.
4- المحيط الخارجي للبناية، يتمثل في طريق مقطوع وتحت مستوى الشارع الرئيسي، بسبب توسعة هذا الشارع وبسبب بناء النفق وتهيئة المدار الواقع فوق النفق. وحسب شهود عيان وحسب بعض الفيديوهات، فإن هذه المنشآت شكلت حاجزا امام تدفق المياه مما حول الطريق الى مسبح كبير.
ب- جغرافية طنجة:
قبل التمدد العمراني للمدينة، كانت المدينة القديمة توجد في هضبة، لان الاراضي المستوية كانت عبارة عن مروج ومناطق رطبة، بالإضافة إلى شبكة من الأودية، لدرجة ان احد المهندسين الاجانب اقترح شق قناة تربط بين البحر الابيض المتوسط والمحيط الاطلسي. ولما جاء المعمرون بنوا احياءهم خارج الاسوار في المناطق المرتفعة ايضا: هضبة مرشان، الجبل الكبير، البوليفار… ونفس الشيء بالنسبة للمداشر التي كانت محيطة بالمدينة. وكانت الأودية التي تخترق المدينة الان كان السكان يعبرونها بالقوارب، مما يدل على اتساع مجراها وعمقها في بعض الأماكن.
لكن بسبب النمو الديموغرافي، تم توسع المدينة على حساب المناطق الرطبة ومجاري المياه، حتى ان بعض الأسماء حملت اسماءها كحي المرجة وحي الواد. واستفحلت الظاهرة اكثر مع الانتشار الواسع للبناء العشوائي حتى اصبح 60% من المدينة عبارة عن احياء عشوائية، ويكفي ان نعرف اسماء بعض هذه الاحياء لكي نعرف انها بنيت في مناطق رطبة، حيث نجد العديد منها يبدأ اسمها بخندق كذا.
والمناطق الرطبة ومجاري المياه من اودية وشعاب، هي محرمة للبناء حسب قانون التعمير Zone non aedificandi. لكن من الناحية التقنية يمكن البناء فيها بشروط، وقانونيا بموافقة وكالة الحوض المائي وفي اطار مسطرة الاستثناءات. ولكن، مع ذلك البناء فيها مكلفا ومغامرة ايضا.
ج- استثمارات ضخمة جنبت مدينة طنجة المزيد من الاضرار:
بعد فيضانات 2008 عرفت المدينة انجاز عدد مهم من المشاريع لحمايتها من الفيضانات تجاوزت كلفتها مليار درهم، منها على سبيل المثال لا الحصر: بناء سد مشلاوة في عالية واد مغوغة، تهيئة الاودية، مد القنوات الرئيسية والفرعية لتصريف مياه الامطار… وهذه المشاريع جنبت المدينة المزيد من الاضرار يوم الاثنين الاسود، بالرغم من ان كميات الامطار التي سقطت تفوق طاقة البنيات التحتية الحالية في كل المدن المغربية.
لكن، لا يزال هناك بعض المناطق التي تنقصها شبكة تصريف مياه الامطار، خصوصا في بعض التجزئات القديمة وفي بعض الاحياء العشوائية خصوصا الجديدة منها والتي لم تستفد لحد الان من مشاريع اعادة الهيكلة.
د- تحدي التغيرات المناخية:
ان الانطباع السائد عند الراي العام، هو ضعف وهشاشة هذه البنيات التحتية، وهو حكم فيه نسبة من الصحة كما بينت اعلاه، لكن كل مدن العالم تصبح عاجزة عندما تفوق التساقطات الطاقة القصوى لبنياتها التحتية. فكل المدن عندما تخطط لشبكات تصريف مياه الأمطار تعتمد على معدل التساقطات خلال مدة معينة، عشرين او الثلاثين سنة الماضية، بل بالنسبة لبعض المنشآت كالقناطر يتم اعتماد مستوى الفيضانات التي عرفها الواد او النهر خلال الخمسين سنة الماضية Cinquantenaire او مائة سنة Centenaire. لكن مع التغيرات المناخية، اصبح من المستحيل توقع ما يمكن ان يحصل، نوعا وحجما، وأصبحت مظاهر هذه التغيرات المناخية جديدة في جميع المناطق. الشيء الذي أضعف مناعة المدن La résilience des villes وجعلها غير قادرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية.
ه- خلاصة أسباب الفيضانات:
وخلاصة القول، فإنه يمكن إرجاع أسباب وقوع الفيضانات في مدننا، الى اربعة عوامل، ينبغي فهمها والعمل على معالجة ما يمكن منها:
1- التعمير: مخالفات التعمير على مستوى التخطيط وعلى مستوى البناء، او البناء في مجاري المياه والمناطق الرطبة
2- البنيات التحتية: غيابها او ضعفها او تقادمها او تدهورها، او بها عيوب نتيجة اخطاء تقنية او نتيجة الغش، او عدم او ضعف صيانتها بسبب الغش او ضعف الامكانيات
3- السلوكات غير الحضارية: المتمثلة في رمي النفايات ومخلفات البناء والمتلاشيات في الأودية او في القنوات، او بجانبها، بحيث لما تاتي الأمطار تجد هذه الأودية والقنوات مختنقة، مما يؤدي إلى الجريان السطحي للمياه بدل الشبكة
4- التغيرات المناخية: وهو تحدي عالمي، اثاره وسبل علاجها تتجاوز امكانيات المدن والدول بما في ذلك الدول الغنية، الامر الذي يحتاج الى تضامن عالمي لمواجهة هذا التحدي.

شاهد أيضاً

شهداء الهوى حيارى في نعيم الوجد هائمين

شهداء الهوى حيارى في نعيم الوجد هائمين  بمناسبة مواسم الحب و اعياده ❤️ بقلم / …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *